ربى الرياحي
عمان- يعتقد الكثيرون أن أخطاءهم تلك التي يقعون فيها أثناء الغضب مشروعة ومبررة، بحجج وأعذار على الآخرين تقبلها والاقتناع بها، حتى وإن كان ذلك سيسلبهم حقهم الخاص بكل بساطة.
فمن يخطئ يرى أنه وحده فقط المحاصر بضغوطات الحياة اليومية، لذلك يتوقع من الجميع أن يستوعبوه ويحرروه من أخطائه بتجاوزها والتغاضي عنها مهما كانت كبيرة ومؤذية لهم.
ويتوقع ذلك ربما لأنه اعتاد على ألا يحاسبه أحد، فلكل خطأ يرتكبه ألف عذر وتفسير، الأمر الذي يبقيه منقادا مستسلما لتصرفات تقلل دائما من احترامه لنفسه قبل كل شيء. ويتجاهل أن عليه الاعتراف بالخطأ أيا كان وتحمل مسؤوليته وحده بدون اللجوء إلى أعذار وهمية مؤقتة تقضي بإسقاط اللوم على الآخرين، وإشعارهم المستمر بالذنب لعلهم في

المقابل يتعاطفون معه ويقتنعون أيضا بأنهم مشتركون معه في الخطأ.
ويقررون بعد ذلك إعفاءه من المسؤولية الكاملة ومنحه فرصة جديدة لارتكاب المزيد من الأخطاء، التي غالبا ما يعجز عن التخلص منها، ربما لأنه يرفض أن يصارح نفسه بحقيقة الأسباب التي حرفته عن المسار الصحيح، مكتفيا فقط بحشد التبريرات كونها قادرة على إرضاء ذاته، حتى لو كان ذلك سيعمق لديه الشعور بالأنانية وعدم الاكتراث بمشاعر الآخرين.
ويسيء الكثيرون لأنفسهم عندما يفضلون الانقياد لغرورهم الذي يحول دائما بينهم وبين تقدمهم نحو الإبداع، لدرجة أنهم يبرعون في استخدام شتى الوسائل للدفاع عن سلوكياتهم البعيدة كليا عن الصواب والاتزان، وضرورة الاعتراف بالذنب، بدلا من المراوغة والتحايل في اختلاق الأعذار وتبرير الأخطاء، كمحاولة منهم لإيجاد مخرج يريحهم من تحمل تبعات المسؤولية. وبخاصة حينما يشعروا بأن عليهم أن يعترفوا بتقصيرهم ومواجهة ذواتهم بأفعال يصرون على إنكارها والتنصل منها حتى يبقوا بمعزل عن ألسنة الآخرين ونظراتهم تلك التي تنتقص من قيمتهم حسب اعتقادهم وترغمهم على الاختباء خلف فكرة وحيدة أساسها تفسير الخطأ بطريقة تنسجم مع أهوائهم وغاياتهم.
فهم عندما يخطئون ينسون أن عليهم أن يبقوا متيقظين لتلك الفوضى العارمة التي تقرر أن تجتاحهم بدون شروط مسبقة، تطالبهم حتما بالتراجع عن كل ما ارتكبوه من سلوكيات تفتقر غالبا للوعي والتأني والرغبة الحقيقية في تصويبها، والاستفادة منها كدروس تعبد أمامهم الطريق لتعويض ما أضاعوه من فرص في سبيل أن تظل صورتهم في أعين الآخرين خالية من أي عيوب أو شوائب تستحق فقط الاحترام.
جهلهم بأهمية الخطأ وخوفهم الدائم من أن يكتشفه الآخرون، يدفعهم إلى اتخاذ المؤامرة كذريعة منطقية تنقذهم من خوض معارك ستخسرهم الكثير من وجهة نظرهم وستفقدهم ثقتهم بأنفسهم أولا ومن ثم ثقة الآخرين بهم، بالإضافة إلى أنهم سيشعرون بالدونية والضعف في حال اضطروا للاعتراف بأخطاء يعرفون جيدا أن إصرارهم عليها يحد من طموحهم ويخضعهم للعجز والتقاعس والإحباط.
لذا لا بد لهم من قراءة الخطأ بطريقة إيجابية تهدف في الدرجة الأولى إلى الانعتاق من هيمنة التعنت والمكابرة، حتى يصبح بإمكانهم اكتشاف جوانب أخرى في الخطأ تحفز لديهم الرغبة في تغيير بعض القناعات التي تدعو إلى التمادي أكثر وعدم الاكتراث بإصلاح ما اقترفوه من أفعال، الأجدر بهم أن يضعوها تحت المجهر، لتتم معالجتها بالشكل الذي يضمن لهم عدم الوقوع مرة أخرى في الخطأ أيا كان.

JoomShaper