ربى الرياحي
عمان- يشتكون إلينا بمرارة كل ما يضايقهم كمحاولة منهم لفتح الملفات كافة التي قرروا في لحظة من اللحظات إخفاءها هناك في زاوية من زوايا النسيان. يتفننون في حشد كل التفاصيل المؤلمة والشروع في وصفها بدقة متناهية تستفز مشاعرنا وترغمنا على التعاطف معهم بدون أن نفكر في الطرف الآخر، وما إذا كان مخطئا في حقهم فعلا أو فقط مجرد اتهام مجحف يحاولون بمهارة إقناعنا به حتى يكسبوا تأييدنا، وبالتالي يستمتعون بانتصارهم على من يعتقدون بأنهم أساؤوا لهم كثيرا.
كل ما يطالبوننا به هو الاستماع دائما لهم بإنصات كامل، يسمح حتما بإعطاء وصف دقيق لكل ما يحدث معهم من خلافات وصراعات تخرج في أغلب الأحيان على نطاق الاحترام الذي يقضي بتقبل وجهات النظر المختلفة.
وبخاصة عندما يكون المتحدث مسيطرا وقادرا على نقل الصورة ورسمها بحرفية عالية توهمنا ولو للحظة بأننا كنا موجودين فعلا معهم هناك في قلب الفوضى والتخبط وتراشق الاتهامات العشوائية الجارحة.

البعض منا وربما الأغلبية، يقررون الاستماع لتفاصيل المشكلة الماثلة أمامهم، لكنهم في المقابل يرفضون أن يثيروا التساؤلات. قد يكون ذلك لأنهم اختاروا الاكتفاء بما لديهم غير مكترثين بتلك التحليلات التي تخلق لديهم حيرة حقيقية تمنعهم غالبا من التحيز لأحد الطرفين، خصوصا إذا كان واحد منهم يجيد الاستعطاف بتصدير كل ما يشعر به إلينا فقط بإحساسه هو وبما يمتلكه من خبرة في قلب الحقائق لصالحه. وما علينا سوى أن نصادق عليها، ونقتنع بأن ما قيل لنا هو الحقيقة فقط، مأسورين بقدرته العجيبة على سرد الوقائع واختلاق الأدلة والبراهين التي تدين حتما غيره وتبرئه هو في الوقت نفسه.
سامحين لأنفسنا بإطلاق أحكامنا العشوائية المتسرعة القائمة في أساسها على وجهة نظر واحدة، كوننا استمعنا لطرف دون الآخر مع رغبة شديدة منا لمساندته والوقوف إلى جانبه من خلال استسلامنا لرؤيته المسيطرة. مستغلاً هذا الفرد عدم قدرتنا على إثارة الأسئلة من أجل الوصول إلى الحقيقة، ربما لأننا وثقنا به أكثر من اللازم، فكانت النتيجة غيابا شبه تام عن تلك الصورة التي اعتقدنا بأنها ليست مهمة على الأقل بالنسبة لنا. مقررين تجاهلها والانعتاق من ذلك الغموض الذي يعتريها، لعلنا نستطيع تحديد موقفنا من كل ما يحدث بالأحرى من كل ما يفرض علينا.
نحن بحاجة إلى أن نفهم جيدا أن لكل موقف من المواقف التي تحدث معنا، ومع غيرنا أبعادا أخرى لا نراها بوضوح، لكننا بالرغم من ذلك نصر على الاكتفاء بما نعرفه من تفاصيل بإمكاننا، أن نوظفها بالطريقة التي تناسبنا. حتى يكون بمقدورنا تفسير كل ما يحدث معنا حسب حاجتنا وحسب رؤيتنا للأمور وحكمنا عليها. محاولين بذلك إلغاء الطرف الآخر ومنعه من الدفاع عن نفسه. منتهزين حالة الصمت التي تلازمه وتجبره على البقاء خارج دائرة النقاش، ربما لأن الظروف لا تسمح له بالحديث ولا يعنيه أيضا أن يعرف الآخرون الحقيقة من وجهة نظره الشخصية. في حين أن هناك طرفا من الأطراف المتنازعة أتيحت له الفرص ليتحدث عن كل شيء، بل والأسوأ من ذلك كله أن يفرض على من حوله تصديق كل ما يقوله ويعتبره صحيحا من منظوره الشخصي.
هي الزوايا، كل يختار زاويته بطريقته ليستطيع الوقوف داخلها، ومن ثم البدء بتصدير ما يريده سواء كان ذلك تخيلاً أو حقيقياً. وهنا لا نبحث عما يثير التساؤلات، لأنها ستجهدنا، بل نفضل غالبا أن نقنع ذواتنا بما وصل إلينا من استنتاجات تخص طرفا دون الآخر. مستبعدين تماما فكرة التمييز بين ما نسمعه وبين ما هو واقع فعليا، لنتمكن من كشف الستار عن الوجه الوحيد للحقيقة غير ملزمين أنفسنا بالتفكير دائما بالطرف الغائب الذي ترك مكانه للآخر محميا بما لديه بدون أي قدرة عن الدفاع أو طرح ما يراه صحيحا.