ربى الرياحي
عمان- خلافات كبيرة وربما غير متوقعة نتعرض لها بين الحين والآخر بدون أي تخطيط مسبق، لكوننا نجهل حقيقة من نتعامل معهم، ومدى قدرتهم على احتواء أي موقف من شأنه أن يعكر صفو العلاقة التي تجمعنا بهم. قد يظهر ذلك جليا عندما نقتنع جميعا بأن كل شخص في هذه الحياة لديه الحق الكامل في اختيار ما يراه مناسبا له ولنمط تفكيره، حتى يكون بمقدوره استيعاب كل ما يجري حوله، متحديا بذلك كل الصدمات المؤلمة التي تباغته غالبا في منتصف الطريق، منتظرة منه أن يتخطاها بقلب متسامح، يعرف جيدا كيف يحول غضبه إلى محبة وسكينة، بإمكانها حتما أن تحرره من ألم يصر على اجتياح روحه والتوغل فيها رغما عنه.
ألم يستطع فعلا أن يحصره في الزاوية ويبقيه مكبلا بقيود الحقد واللوم ربما، لأنه يكتفي بفهم الظاهر فقط، ويرفض تتبع التفاصيل الصغيرة المهمة. هذا النوع من الناس تحديدا يقرر أن يحبس نفسه داخل فكرة واحدة، وهي تبرئة نفسه من أي ذنب، والتخطيط لمحاسبة الآخر بطرق تعيد له اعتباره أمام أولئك الذين يجزم قطعا بأنهم ضده بدون استثناء على اعتبار أنه الضحية.


لكن رغم ذلك، تبقى هناك صورة أخرى قادرة على أن تجسد التسامح بأسمى معانيه من خلال تمسكها بالفرح والتصالح مع الحياة أولا، ومن ثم مع أناس يتمنون أن يتقاسموا معها راحة البال تلك، التي تنقذهم من مرارة القسوة وتجنبهم حتما وجع الحرمان والفراق.


يقررون أن يسامحوا غالبا، لأنهم يحتاجون إلى سعادة حقيقية تنسيهم ما عاشوه من غربة تجاه ذواتهم المثقلة بالجروح. هم فقط يريدون أن يختلقوا الأعذار لمن يحبون، حتى وإن كانت غير منطقية تفتقر للصدق والواقعية، لعلهم بالمقابل ينجحون في التغلب على إحساسهم بالذنب، حتى لو كان ذلك سيلزمهم باعتراف صريح قائم في أساسه على احتمالات تبرر خطأ الآخر وتنفي عنه كل الاتهامات المنسوبة له. رغبتهم في أن يعيشوا بسلام بعيدا عن أي ضغينة هي المحرض الوحيد على نسيان ما حدث معهم من مواقف يمكن وصفها بأنها هادمة للثقة التي ألزموا أنفسهم بها، لتكون علاقتهم بمن حولهم سوية ليس فيها ما يثير القلق والشكوك.
لذلك قد يلجأون إلى التسامح أحيانا ليتمكنوا من منع أنفسهم من الاستمرار في طرح الأسئلة المؤلمة الملحة، لكونهم يرفضون أن يصدموا بإجابات قد تدمي قلوبهم، وتفقدهم حق الاستمتاع بكل ما هو صادق وإنساني. في تلك اللحظات بالذات يحتاجون فعلا أن يغمرهم العدل، ليشعروا براحة نفسية تخرجهم من سجنهم القصري الذي أدمنوا المكوث فيه. محاولين بذلك اختبار مشاعر أخرى غير تلك التي سيطرت عليهم وحرمتهم من أن يكونوا أحرارا يبحثون في الدرجة الأولى عن أحاسيس أكثر صدقا وشفافية، تمسح كل ما علق بأرواحهم من ألم.
حاجتنا الكبيرة للتسامح والغفران ونسيان كل المواقف التي أوجعتنا، هي التي تدفعنا دائما إلى التفكير ملياً بترك مساحة كافية لتصفية النفوس، والتركيز على مزايا الآخرين التي لم ندقق فيها، فكانت النتيجة أننا حكمنا عليهم حتى بدون أن نعطيهم فرصة للدفاع عن أنفسهم.
في مسامحتنا لهم، نخلق لنا ولهم حياة جديدة ملؤها الهدوء والسكينة، ننتصر على مشاعر كلها مشبعة بالكره والقسوة، ليصبح بمقدورنا تقبلهم كما هم ومعرفة ما إذا كنا سنستطيع تحملهم أم سنفكر في تحديد شكل العلاقة معهم.

JoomShaper