ديما محبوبة
عمان- تحرص أم محمد على زيارة حماتها يوميا بعد عودتها من العمل لتساعدها في الشؤون المنزلية، رغم ذلك لم تتلق منها أية كلمة شكر أو مديح ولكن بمجرد أن تقترف خطأ بسيطا حتى تتحول أم محمد بنظر حماتها إلى زوجة وكنة قاسية.
والأمر كما ترى أم محمد لا يتعلق بكون أن العلاقة بين الحماة والكنة علاقة مشحونة بطبيعتها بل لأن المرء بطبيعته لم يتعود على مدح الاخر وشكره على عمله الجيد.
فهديل حسن التي تعمل في مكتب إعلانات قضت اسبوعها الماضي تتأخر يوميا بعد ساعات دوامها وتقوم بمهماتها على اكمل وجه، لكنها لم تسمع كلمة شكر أو مديح من مديرتها، ولكن سرعان ما اقترفت خطأ بسيطا نهاية الاسبوع حتى بدأت مديرتها بعتابها بشدة.
شعرت هديل بخيبة أمل وعادت ادراجها الى المنزل تشكي لوالدتها هذا الموقف وتقول “كان رد والدتي صادما ايضا وقالت لي ان لا اتوقع الشكر في العمل”.

والموقف الذي مرت به هديل ليس موقفا استثنائيا، بل هي حالة عامة يشعر بها أغلب الناس حيث تغيب ثقافة المديح في المجتمع.
اختصاصي علم النفس د. أنس أبو زناد يرجع حجب المديح بين البشر وكأنها ثقافة معدومة من كثر الضغوطات النفسية التي يعيشها المواطن، وطبيعة الحياة المعاصرة والضغوطات الاقتصادية التي تدفع الناس الى الانتباه للأمور السلبية ولا يرى ما هو إيجابي أو جميل.
ويؤكد أن الكثير من الناس لم تعتد منذ طفولتها على الكلمة الطيبة والمدح ما جعل الحياة قاسية والكلام المعسول جاف في أفواههم وغير معتادين عليه، وعليه لم يربوا ابناءهم عليها، وكذلك يخجلون من زوجاتهم، ويخافون من مديح موظفيهم خوفا من التقاعس فهنالك من يفكر بأن الموظف ان سمع كلمات المديح عن عمله المميز سيشعر بالسرور ويتراخى بجدية العمل.
وتشعر هناء رشيد بالحزن احيانا لأنها لا تسمع كلمة شكر ومديح من زوجها على ما تقوم به في المنزل من ترتيب وتجهيز مواد المونة للمواسم المختلفة والحرص على تدريس اطفالها وتلبية احتياجات اسرتها.
في المقابل لا يمكن أن تصف سخطه وجنونه وغضبه إن اقرفت أمرا سلبيا أو اخطأت في التعبير أو كانت متعبة في ذلك اليوم، ولم تستطع تلبية احتياجات الأسرة.
تقول “الحياة بهذا المسار متعبة جدا، أنا أحب عائلتي زوجي وأطفالي وأعمل المستحيل لإرضائهم على حساب نفسي، وإن كان واجبي فإن الكلمة الطيبة، والمديح امر بغاية البساطة، لكنه يرفع من معنوياتي ويقلل من تعبي”.
الطالب في مرحلة الاعدادي عدي الخالدي يقول أنه يدرس مطولا ويقوم بواجباته المدرسية على أكمل وجه وعلاماته جيدة جدا، وينتظر احيانا كلمة طيبة من والده ووالدته عندما يستلم شهادته، إلا أنه ينصدم في كل مرة بجملة تقلل كل المجهود المبذول، مثل “المرة الجاي بدي علامات كاملة بكل شيء”.
ويؤكد بأن الكلمة الطيبة لها وقع جميل في حياته كطالب وكأنها مادة منشطة يأخذها لتعزيز مجهوده لكن والديه كما يقول عدي لا يعنيهما ذلك، حتى أنهما لا يعرفان الكلام الطيب لبعضهما وإن كان هناك تعليق على أي شيء يكون تعليقا سلبيا، أو لا تعليق.
ويتفق خبراء علم النفس على أن الكلمة الطيبة والمديح هي علاج لكل داء وسحر لا يمكن وصفه في رفع المعنويات وتجاوز الضغوطات، ونظرة وطاقة إيجابية لا يمكن التغاضي عنها، ويصفون المديح وفعله “كالقبلة من وراء حجاب” بذات التأثير.
ويؤكد خبير الطاقة عبد الناصر جرار بأن النفس البشرية لا يمكنها أن تستمر بسوية وبفرح وبخطوات ثابتة إلا بسماعها المديح والكلام الجميل، ويلفت جرار أن طاقة الفرد تشحن كأي آلة لكن شحن الطاقة الروحية للبشر تكون بالنظرة الايجابية للأمور وبالكلام الطيب والشكر عند الحاجة والمديح عندما يلزم الأمر، لكن الصمت في وضع المديح مثله كمثل الذم بنفس المفعول ونفس الألم.
ويؤكد جرار بأن المديح والثناء الإيجابي من المعززات للهمة، لأنه يعطي الإنسان الثقة بأنه على الطريق الصحيح، وذلك من خلال إعجاب الناس به فكرا وعملا وسلوكا.
ويؤكد أبو زناد “المديح هو حاجة نفسية تتطلبها الطبيعة الإنسانية التي تحب أن يثني الناس على أدائها، والمديح والثناء بدل النقد الهدام، تغذية للعقل، وإظهار الحافز للنجاح والعطاء عبر التقدير والتشجيع اللذين يظهران من خلال المديح والإطراء، فهما المحفزان للإنسان على جميع الأصعدة الأسرية أو الاجتماعية أو في مجال العمل، وفي اللحظة التي يقوم فيها الإنسان بعمل ما ويجد المديح والثناء، أعتقد أن عطاءه سيكون أفضل”.
ويصف العطاء بأنه يتناسب طرديا مع المديح، بمعنى أنه كلما ازداد عطاء الإنسان كان بحاجة إلى مديح أكثر ومكافأة أفضل، وكلمة طيبة صادقة تدفعه إلى مزيد من الإنجاز والإبداع.
وعن مديح الأبناء وتربيتهم على ذلك ما يجعل المجتمع في المستقبل مختلفا تماما ويسهل المديح عند الأفراد، تؤكد المرشدة النفسية رائدة الكيلاني أن مديح الأبناء يرقى بهم لأنه يجلب لهم الصلاح والتقويم الهادئ لسلوكاتهم الخاطئة، أما كلمات التوبيخ واللوم المستمر التي تملأ بها آذان الأطفال فهي لا تدفعهم إلى الأمام بقدر ما تصيبهم بالإحباط وفقدان الثقة بالنفس.
وتقول “إن دور الآباء يسهم بتعليم وتطوير مهارات الأبناء، لأن الآباء لهم تأثير على جميع جوانب نمو وتطور الطفل الإدراكية، الجسدية، الاجتماعية، العاطفية والصحة العامة مما يسهم في إثارة دافعيتهم نحو التعلم وحب الأهل وعدم تشكل عقد نفسية لديهم”.

JoomShaper