د. عبدالله العمادي 

مواصلة لحديث الأمس، الذي طالبنا فيه ألا ينتظر أحدنا أن يشرق عليه يومٌ يكون بلا كدر ولا تعب أو ألم، بل بدلاً من ذلك عليه أن يتعلم الصبر والتصابر، وبهما سيشتد إيمانه وتقوى إرادته ، ويفهم بشكل عميق حقيقة الحياة الدنيا.. ونواصل الحديث اليوم لنعيد التذكير بقيمة مهمة لها أثرها على النفس قبل الغير، والمتمثلة في قيمة أو خلق التسامح والترفع عن مفهوم رد الصاع صاعين بغير وجه حق، أو في غير موضعه.
لندرك تمام الإدراك بأن التسامح والتجاوز عن الأخطاء والهفوات، ليس ضعفاً أو تنازلاً عن حق أو خوف وما شابه، بقدر ما هو قوة وشجاعة، وفوق ذلك كله، هو خُلق رفيع وطيب راق، يدفع بالقلب إلى العمل بكفاءة، عبر إبعاده عن مواطن الخلل والعلل التي تتكاثر يومياً في زمننا هذا. 


إن التسامح الذي ندعو إليه، هو ذاك النوع الذي نرغبه أن يكون منهج حياة أو طريقة حياة، وليس رد فعل لواقعة مؤقتة عابرة.. فحين تتسامح مع المخطئ مثلاً أو من يرتكب حماقة أمامك أو معك، فأنت لا تتنازل عن حقك هنا، بل تتعالى وتترفّع عن السقوط في الحماقة أو الخطأ الذي يحدث، ولأن هذا الترفّع أيضاً هو نوع من التنفيس عما يحدث بداخلك من مشاعر غيظ تجاه الذي يقع أمامك أو معك، لكنه التنفيس الراقي الشامخ، وليس ذاك الذي يترجمه البعض على شكل عراك بالأيدي أو لعنات وشتائم.
إن التسامح مع الغير، مثلما أنه قمة في الأخلاق وسمو في التعامل، هو في الوقت نفسه يمكن اعتباره نوعاً من الجدال الصعب مع النفس والضغط عليها لعدم الرد بالمثل، فإنّ النفس التي بين جنبيك في مثل تلكم المواقف العصيبة تبغي الرد وبقسوة، ورد الصاع صاعين، فهكذا هي النفس البشرية، وقليل من يقدر على لجم نفسه وتوجيهها حال وقوع الأخطاء والتفاهات معهم.
ما يحدث غالباً في مواقف حياتية كثيرة مثيرة، أن الناس ترتكب أفعالاً لا يتنبهون لها إلا بعد فوات الأوان، حين يغيب العقل مؤقتاً في تلكم المواقف وتسيطر النفس الشريرة على الموقف وتوجه دفة الأحداث.. وبسبب تلك السيطرة الشريرة غير الواعية، تمتلئ السجون بالموقوفين أياماً أو أسابيع وبعضهم إلى أشهر وسنوات، وهم في حسرة وندم لا يوصفان.
إن الغضب والعصبية أو القسوة والشدة في التعامل مع الأحداث الحياتية اليومية، من شأنها بكل تأكيد أن تضعف عضلات القلب، كما يقول الأطباء، وتتسبب في فتح أبوابه لكثير من العلل والأمراض، حيث يندم المرء على كل لحظة غضب أو إثارة لم يكن لها داع أو معنى، يوم أن يقع ضحية لأزمة قلبية أو ذبحة صدرية أو جلطة دموية، أو سمّها ما شئت، فكلها تؤدي إلى نفس النتيجة، لا قدر الله عليك وعلينا جميعا.. ومن هنا لا تجعل أيها القارئ الكريم، من الغضب أو تغييب العقل منهجاً أو طريقة حياة في التعامل مع مفردات هذه الحياة، بل عليك بالتسامح والترفّع وعدم الغضب، كما دعانا إلى ذلك خير الخلق محمد، صلى الله عليه وسلم، خير من نصح وأرشد أمته إلى الصلاح والفلاح في الدنيا والاخرة.

JoomShaper