ربى الرياحي
عمان- تقلقنا باستمرار كثرة الأحاديث التي نتبادلها مع الآخرين لكوننا نجهل أحيانا الالتزام بالخطوط الحمراء التي ينبغي الوقوف عندها حتى لا نتعرض لأي أسئلة محرجة من شأنها أن تؤذينا نفسيا وتجبرنا على الكذب الذي يجنبنا دائما الخوض في مواضيع لا تخص أحدا سوانا، رغم أننا نخشى جديا اللجوء لهذا الحل على اعتباره سمة مقيتة تسلبنا الإحساس بضرورة الصدق والشفافية في تعاملنا مع من حولنا.
رفضنا للكذب في الحديث عما يخصنا وحدنا فقط يجعلنا نتوقف قليلا عند تلك المرحلة التي كنا نتصرف فيها ببراءة وعفوية بدون أن نولي أي اهتمام للحدود والضوابط التي تمنعنا من قول كل شيء للآخر غير آبهين بخطورة الأحاديث التي قد يتناقلونها فيما بينهم بقصد التسلية وكشف بعض الأسرار التي تريح قلة منهم وتسعدها لأنها ببساطة تأتي منسجمة مع أمنياتها المقتصرة فقط على رؤية جميع المحيطين بها تعساء يشكون مرارة الواقع، محاولة بذلك إرضاء أنانيتها التي ترفض قطعا الإبقاء على أولئك الأشخاص الذين يعرفون جيدا كيف يسعدون ذواتهم أو بالأحرى كيف يستمدون منأوجاعهم وهمومهم لحظات فرح حقيقية يتحدثون عنها أمام من يتمنون عثرات الآخر ويفرحون لها.

 

قناعتنا التامة بفرض ما نريد نحن قوله لمن حولنا تساعدنا حتما على الاحتفاظ بحقائق من الأفضل أن نخفيها عن تلك الأعين التي تترقب بشغف حديث البعض عن أنفسهم، وقراءة أدق التفاصيل بحذر شديد يمكنها من الاطلاع على حياة الآخر وتحليل ما يعيشونه من صراعات داخلية من شأنها أن تتوسع دائرتها لتشمل جميع الأطراف المحيطة بها ومن ثم تدخلها في متاهات من الصعب أن تنتهي، حتى وإن كانت المحاولات قائمة على الرغبة الحقيقية التي دائما ما تمنحنا القوة لتخطي كل الأسئلة الفضولية.
تلك الأسئلة الباحثة عن إجابات تصف بوضوح شكل الحياة المفروضة علينا والتي لا نملك فعليا تغييرها أو على الأقل التصالح مع ظروفها غير المتوقعة أحيانا، لكننا رغم ذلك نفضل التعتيم على ما نعانيه من مشكلات تثقل في الحقيقة كاهلنا وتدفعنا تدريجيا إلى قول ما لا نريد الإفصاح عنه اعتقادا منا أننا بمجرد التحدث عن تلك المشكلات سنعرض أنفسنا للابتزاز والاستغلال من قبل أناس شغلهم الشاغل اختراق خصوصيات من حولهم والغوص في بعض القصص الممنوعة من النشر. وذلك بحجة أنهم يريدون مساعدتنا والتخفيف عنا بغض النظر عن الطريقة التي قد يتبعونها والتي غالبا ما تزيد من آلامنا لكونهم يجهلون حجم المرارة التي نتجرعها جراء إجبارهم لنا على الخوض في أمور نعتبر حديثنا عنها تجديدا لمعاناتنا وإطلاق العنان لمشاعرنا المكبوتة التي نحاول دائما إخفاءها حتى لا تكون نقطة ضعف أو دليل إدانة يتعمد البعض اتخاذه ضدنا لتوريطنا وإغراقنا في المشاكل أكثر فأكثر.
الشيء الوحيد الذي يثير استغرابنا حتى الآن هو أننا ورغم مرور كل تلك السنوات على آخر لقاء بيننا وبين أصدقاء الدراسة أولئك الذين حتى وإن تغيرت ملامحهم الخارجية إلا أنهم ما يزالون يحتفظون بطريقة تفكيرهم وبنظرتهم الخاصة في الحياة والناس من حولهم نتيجة لتربية الأسر الصارمة التي تمنع أبناءها من خرق الضوابط المفروضة عليهم والتشكيل المبكر لشخصياتهم تلك التي ترضخ وتستسلم لقناعات غيرها.
تعويدهم منذ الصغر على التحدث في العموميات وإعطاء الآخرين كل الكلام الذي لم يعد يلزمهم يجعلهم أقدر على تحديد مفرداتهم التي يحتاجونها في التعاطي مع من حولهم. ربما هم في جانب على حق لأنهم ببساطة استطاعوا أن يغلقوا أبوابهم ويفتحوها متى شاؤوا محاولين بذلك حماية أنفسهم من أي هجوم قد يفسد هدوءهم واستقرارهم.

JoomShaper