عبير النحاس
كانت من ألذ اللحظات وأكثرها متعة في طفولتي، تلك التي أحصل فيها على مجلة للأطفال، و كانت المتعة لا تنتهي بقراءتي لها لأول مرة، بل أعيدها مرة ثانية و ثالثة، و كنت ولأنني أعرف معنى هذه المتعة، أحرص على أن أشترك لأطفالي بكل المجلات التي تصل إلى مدينتنا مهما كان ثمنها مجتمعة، كبيرا.
كنت أحرص على أن نذهب معا في نزهة سيرا على الأقدام، نتناول المثلجات، و نحضر مجلاتنا و نعود للمنزل، وكنت ألمح منهم نشاطا في العودة، يشعرني بنشوة لا توصف، ناهيك عن محاولاتهم المستمرة لفتح المجلات، والاطلاع عليها ونحن في الطريق، وعلى ضوء الإنارة في الشارع.

كانت متعتي بهم و معهم لا تقدر وقتها، و كانت متعتي الأكبر وأنا أراهم يتوسلون إلي ليلاً؛ لأترك لهم الأنوار مضاءة لبعض الوقت، ريثما ينتهون من قراءة ما بأيديهم, و كنت وقتها أبتسم، وانسحب تاركة لهم الأضواء لبعض الوقت، ثم أعود لأعيد معهم حكاية التوسلات من جديد.
متعة القراءة و الرسوم ما زالت تخاطر خيالي، وما زالت تتربع على قمة المتع المفيدة، والتي أعرف أنا تماما كأم.. و مربية.. و كاتبة للطفل قيمتها، ومعناها قد بدأت تلمع اليوم في سماء الطفل السوري - النازح و اللاجئ و المتعب من الحرب و المهمل أيضاً -لا كمتعة مفيدة، بل كسلاح موجه ضد عقيدته. و تتكالب عليه الجهات الغريبة، وتضخ الأموال أملا في السيطرة على عقل هذا الطفل من جديد، وإعادته إلى حظيرة البلاهة و الشك والبعد عن دينه.
حدثت القصة بداية عندما اطلعت على مجلة توزع على الأطفال السوريين في المخيمات، و في الشمال السوري موجهة للطفل اليافع، و تعتمد على فن الكوميكس (قصص مصورة) الممتع للطفل، و تبث بين صفحاتها قصص الآلهة اليونانية، و حكايات أساطيرهم العجيبة، وما إلى هذا من ترهات لا ندري أين ستودي بعقيدة طفل لم يتلق أي نوع من التوجيه الحقيقي المستمر؛ نظرا للظروف المؤلمة التي مرت بها بلاده خلال أربع سنوات.
تغييب مصدر المجلة، ومكان صدورها مثير للشك! و لكن لماذا؟ و ما الفائدة من أن أدخل الطفل في متاهات الآلهة، سوى أن أدخله في متاهات الشك و التفكير و التوهان الإيماني، و العبث بفطرته أيضا؟!..
و جميعنا يدرك جيدا ما معنى أن تبث هذه القصص لطفل لا يوجد من يرعاه أو يوجهه.
ما زالت المجلات التي تستهدف هذا الطفل تتوالى، وما زالت الكواليس حبلى بالجديد، ولا ننكر أن هناك جهودا تبذل، وقد بدأت مجلة صادرة عن رابطة العلماء السوريين بالصدور، ولكن:
هل تكفي مجلة واحدة في مقارعة الآخرين؟!..
أليست الخبرات، و التقنيات، و الكادر الفني و التحريري، المتقن الخبير والمبدع، هو ما نحتاجه لمجلات نريد بها أن نجذب طفلا لديه خيارات عديدة؟!
ألا يحتاج طفل الشام المظلوم، و أملنا الوحيد، إلى من يمد يده لينتشله من براثن العبث العقائدي بكافة الطرق؟!..
أليست مجلة، أو مجلات للأطفال، و دعم عقائدي، و إنساني، أهم و أكثر أثرا ونفعا من تقديم الطعام والشراب؟!
و أخيرا: هل من مشمر؟.