د. جاسم المطوع
اليوم السعودية
طفلة لا يتجاوز عمرها التسع السنوات كان والدها يشجعها عندما تلعب بهاتفها النقال، وكان يأمل أن تتميز بالألعاب حتى تقدم لعبة تفيد الناس، وقد حصل ما كان يتوقع فابتكرت لعبة سمتها (عجبة)، وشاب آخر ابتكر موقعا على الآب ليفيد الشباب أطلق عليه اسم (دورات دوت كوم)، وكان هذا الشاب تشجعه والدته عندما كان صغيرا على المبادرات وتوظيف خبرته ليعمل مشروعا يخدم مجتمعه،
فتشجيع الطفل من صغره يجعله إيجابيا عندما يكبر ويقوم بعمل مبادرات إما في العمل التطوعي أو التجاري، ومنذ أيام انتشر خبر بيع موقع (طلبات) بمبلغ خمسين مليون دينار كويتي، وأصل فكرة هذا الموقع كانت من أربعة شباب تخرجوا من الجامعة، وأرادوا عمل موقع يتواصلون معه حتى يطلبوا وجباتهم أثناء اجتماعهم، فأسسوا الموقع بمبلغ قليل جدا وبادروا بهذه الفكرة فلاقت نجاحا حتي كبر الموقع وانتشر واشتهر.


فكلما شجعنا أطفالنا منذ صغرهم وعززنا عندهم روح المبادرة، ساهمنا في نجاحهم في المستقبل ليكون لهم دور بالمجتمع، وإني أعرف رجلا عندما كان صغيرا كان والده يحثه على المبادرات بفعل الخير ويشجعه عليها، فلما كبر وصار يتجول بالولايات الأمريكية عرف أن بعضها لا يوجد فيها مسجد، فكان يستأجر شقة بالولاية ويختار شابا مسلما فيدربه على الإمامة والخطابة ثم يوزع إعلانات على المسلمين بهذا الحي ويدعوهم لصلاة الجمعة، ثم يقول لهم بعد الصلاة لقد بادرت باستئجار هذا المكان لكم حتى تجتمعوا فيه للصلاة فإذا رغبتم باستمرار هذا المصلى في الحي الذي تسكنون فيه فأكملوا دفع الإيجار، وهذا شاب دربته للإمامة والخطبة لكم، فيفرح المصلون بهذه المبادرة ويجتمعون للصلاة والخطبة كل أسبوع،
إن هذا الشاب فتح (300) مصلى بهذه الطريقة وهو لم يدفع دينارا واحدا، ولكن السر في هذا العمل المبدع هو أنه لم يترب منذ صغره على الشتم والإهانة والتحقير أو على الخوف والحبس والضرب، أو لم يترك مع الخادمة أو السائق وحده، وإنما اهتم به والده ووالدته في غرس قيمة المبادرة من خلال التشجيع فصار مشروعا تربويا ناجحا.
كثير من المشاكل التربوية التي تعرض عليّ من كسل الأطفال وعدم حبهم أكتشف بعد دراسة الحالة أن السبب في غياب قيمة التشجيع وروح المبادرة بحياتهم، ويستمر هذا السلوك معهم حتي يكبروا، وأذكر أن رجلا عرض علي مشكلته الزوجية وقال لي إن زوجتي لا تريد أن تكلمني وقد قاطعتني فماذا أفعل؟ فقلت له: بادر بالحوار معها، قال: فإذا رفضت أن تتحدث معي؟ قلت: بادر مرة أخرى، قال: فإذا رفضت كذلك؟ قلت: بادر مرة ثالثة، واستمر بالمبادرات حتى يفتح لك الباب، وكان يستمع لجوابي وهو مستغرب من كلامي وطريقة تفكيري، فقلت له: اذهب وجرب ما أقول لك حتى لو لم تكن مقتنعا، فذهب ثم رجع إلي بعد فترة وقال: هل تصدق أنها قبلت أن تتحدث معي عند المبادرة الرابعة، فابتسمت وقلت له: إذن عرفت مفتاح حل المشاكل وهو كن فكن مبادرا، فضحك.
إن التشجيع بالكلام له قوة تفوق قوة الكهرباء أو الطاقة النووية، فالكلام أكبر محفز للإنسان فيجعله مبادرا ومنتجا وناجحا في الحياة، فالتشجيع يجعل السياسي والاقتصادي والتربوي يبدع في عمله، والتشجيع يجعل الكاتب يتحمس ويستمر في الكتابة، وهذا ما يحصل معي كل أسبوع عندما اقرأ تعليقاتكم المشجعة على المقال الذي أكتبه فأتحمس أكثر في الكتابة، والتشجيع هو الذي يجعل اللاعبين في الملعب يتحمسون ويحققون الأهداف، وقد استخدم النبي الكريم صلى الله عليه وسلم أسلوب التشجيع في يوم خيبر عندما قال سأعطي الراية غدا رجلا يحبه الله ورسوله ويحب الله ورسوله، فتمنى الصحابة كلهم ذاك الرجل وكان هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فالتشجيع مثل الفيتامين للإنسان، فلنحسن استخدامه مع الكبار والصغار حتى نوجد أشخاصا يحبون العمل ومبادرين ولديهم الثقة بأنفسهم.

JoomShaper