APRIL 13, 2015

 

ريف دمشق ـ «القدس العربي»: أسفرت الحرب الدائرة منذ أكثر من أربع سنوات عن آلاف الأطفال الذين غدوا أيتاماً بين ليلة وضحاها، ولم يقتصر الأمر على فقدان طفل لأبيه أو أمه بل باتت المشكلة الأكبر في كيف يكمل الطفل اليتيم حياته بلا عائلة، مما يتسبب بأزمات نفسية كبيرة لهم، لكن حتى الآن لا توجد إحصائية دقيقة لعدد الأطفال الأيتام في سوريا، بل اقتصر الأمر على نشاط بعض المجالس المحلية ضمن مناطقهم.

«عزوز» طفل حمصي من بابا عمرو، تعرض البناء الذي يقطنه وعائلته إلى قصف بالصواريخ عندما اقتحم الجيش بابا عمرو، ما تسبب بمقتل أغلب من كان في البناء ومنهم عائلة عزوز، وعند وصول الهلال الأحمر لانتشال الجثث كان عزوز من بين هذه الأجساد التي تم انتشالها من تحت الركام، وبدا للجميع أن عزوز قد توفي وفارق الحياة إلا أن المعجزة كانت في بقائه على قيد الحياة بعد وفاة أفراد عائلته، ونقله إلى مشفى البر ليتلقى العلاج اللازم بعد وضعه في العناية المشددة.

سمعت بقصة عزوز إحدى جارات العائلة وتدعى رانيا، وهي سيدة في الثلاثينات من عمرها تزوجت منذ 15 سنة ولم تنجب، وطلبت من أطباء المشفى البقاء بجانبه، وأخذه لمنزلها من أجل العناية به، لكن الأطباء رفضوا بحجة أن الطفل في وضع حرج ولا يمكن لها أن تأخذه حتى لا تتعلق به ويموت بعدها، لكنها أصرت على رأيها وآثرت البقاء بجانبه للإشراف عليه، وفعلاً بدأت تحبه وتتعلق به وبدأ الصغير يتحسن ويستعيد الحياة. بعد أيام وافق الأطباء على إخراج الصغير من المشفى بعدما تحسن، وطالبت رانيا بأخذه وتبنيه، إلا أنه لا يملك أي أوراق ثبوتية تثبت نسبه، ورفض الشيوخ أن ينبسوه إليها، لكن بعد إصرارها على ذلك وافقوا أن يدرجوه تحت خانتها وخانة زوجها بشرط أن تعيده إلى عائلته في حال عاد أحد منها في يوم من الأيام، فوافقت رانيا على ذلك.

مرت الأيام والشهور والسنون على عزوز وبلغ عمره الآن ثلاث سنوات، لكن الأمراض لا زالت تسكن جسده الغض، إذ يعاني من تشوه خلقي، وتضخم في الغدة ويحتاج لقاحات وأدوية مستمرة، ومع أن الوضع المادي لرانيا وزوجها متردٍ جداً إلا أن الأب يكد ليل نهار لتأمين هذه العلاجات للصغير، بينما يغرق الطفل في موجة بكاء في حال غابت أمه عنه ولا يهدأ حتى تعود وتحضنه، أبيدت عائلة عزوز بالكامل لكن هناك عائلة بالمقابل حصلت على طفل ملأ عليها حياتها.

ولليتم وجه آخر غارق في الأزمات والصراع النفسي، إذ لا يتقبل فيه الأطفال أي تغيير في حياتهم، ويعانون من الوحدة والعزلة والاكتئاب، بل قد يصل الأمر بالكثيرين منهم إلى اللجوء إلى الانتحار.

رؤى طفلة من حمص في 11 من عمرها، تعاني من الوحدة بعد استشهاد أبيها واعتقال أمها، تعيش حالياً مع خالتها وتبقى في معظم الأحيان طبيعية لكن حالتها تتردى بمجرد رؤيتها طفلاً مع أمه، تنعزل وتبكي وتنأى بنفسها عن جميع من حولها، وإذا حاول أحد منها الاقتراب ليسليها أو ينسيها ماهي فيه تبتعد عنه وتطلب الوحدة، كما تتحدث «سمر» إحدى الناشطات العاملات في المجال النفسي في مدينة حمص.

ولأحمد حكاية أخرى، حكاية بحجم الألم الموجع في كل قصة، إذ يعيش الشاب الذي يبلغ 15 من عمره حالة نفسية سيئة جاءت بعد استشهاد أبيه وأمه ثم أخيه الأصغر، وتحكي سمر لـ «القدس العربي» عن حالته الصحية فتقول: «شاهدته مرة بالقرب من بيتنا وصرت أناديه حتى أتكلم معه، كنت أحاول جاهدة أن أبعده عن الطريق لأنه كان مرمى للقناصين المنتشرين، فأجابني: «إي وأنا ناطر القناص يشوفني ويضربني ويموتني».

وتتابع سمر حديثها فتقول: ركضت إليه حاولت أن أشده بكل ما أوتيت من قوة لأنقذه، وصرت أصرخ به وأقول: لماذا تفعل هذا؟، فأجاب:» لشو أنا عايش لا أبي هون ولا أمي ولا أخواتي تركيني بدي ألحقهن ..» وانهار بالبكاء. وتقول: فعلاً أحسست يومها أن هذه الكلمات اخترقت صدري، وأخرست كل ما في داخلي، كم يحمل هذا الشاب اليانع من أوجاع في قلبه لا يبوح بها! وشاركته البكاء وصرت أقول له وأنا غارقة بدموعي، «خلص مشان الله لا تعمل هيك بلا جنان، أنت هيك ما بتلحقن بدك تفوت عالنار»، حينها جئته بأسلوب الجنة والنار، وأقول له «أهلك ذهبوا إلى الجنة، وأنت إن انتحرت ستذهب إلى النار وستحرم منهم، هنا بدأ يستفيق من هذيانه ويعود إلى وعيه».

 

خارج حدود سوريا يتم آخر

 

استشهد جميع أفراد عائلة رشا وهي طفلة في الرابعة، في داريا إثر قصف النظام لمنزلهم، فكفلها جارهم، وقام بالعناية بها، ثم أخذها وسافر بها إلى مصر، تعيش الطفلة اليوم وكلها ثقة أن من يربيها هو أبوها الحقيقي وأمها، وتبقى قصتها الحقيقة مدفونة مع أنقاض أهلها الذين قضوا في داريا.

 

المجتمع شريك في الجريمة

 

يذكر الدكتور عمر الحكيم، أحد الأطباء في مدينة معضمية الشام عن حالات كثيرة لأطفال تعاني من العزلة والاكتئاب والوحدة نتيجة فقدانهم لعائلاتهم، ويكون الطفل اليتيم أشد حساسية من أقرانه من الأطفال.

ويستشهد بحادثة لطفل يبلغ 11 من عمره جيء به مرة إلى المركز الطبي في المدينة، بعدما وقع من الطابق الثاني في بيته، وبعد تقصينا عن الحادثة وجدنا أن والد الطفل قد استشهد وتزوجت أمه بعدها، وكان زوج والدته يعذبه ويضربه فكانت ردة فعل الطفل محاولته الانتحار، ليتخلص من الحياة الصعبة التي يعاني منها.

في حين يتعرض الكثير من الأطفال الأيتام للضرب والاضطهاد من قبل المجتمع، وخاصة أولئك الذين فقدوا أباهم أو أمهاتهم واضطر أحد والديهم لأن يتزوج، حيث يؤكد الدكتور الحكيم أن هذا الطفل كان يتعرض للضرب بالسوط على وجهه من قبل زوج أمه، وعندما أحضروه إلى المركز الطبي في المدينة بدت حالته سيئة ونفسيته مدمرة. وتعاني أغلب المناطق المحاصرة كمدينة المعمضية من عدم وجود أي طبيب نفسي فيها للإشراف على هؤلاء الأطفال ومتابعة حالاتهم، حيث بالكاد يتوافر بعض الممرضين لعلاج المصابين، وصارت العلاجات النفسية باباً من أبواب الرفاهية لدى السوريين المحاصرين، بحسب الدكتور الحكيم.

 

نشطاء يحاولون كفالة هؤلاء الأطفال

 

يدرك الكثير من الناشطين السوريين الأزمة التي يمر بها هؤلاء الأطفال، فيعمدون إلى العديد من النشاطات التي من شأنها أن تجعلهم يكبرون كالآخرين، فيقيمون حفلات جماعية ونشاطات لهم، بينما يقوم فريق ملهم التطوعي بحملات لكفالتهم بـ150 دولارا شهرياً، وتصلهم بشكل مستمر قوائم بأسماء هؤلاء الأطفال.

يحيي العالم هذه الأيام أسبوع اليتيم العالمي الذي يصادف أول نيسان/ أبريل الجاري، بينما يعاني آلاف الأيتام من عدة أزمات، سواء نفسية نتيجة فقدانهم لآبائهم وأمهاتهم، أو خارجية بسبب طريقة تعامل المجتمع المحيط بهم معهم، وأخرى تضاف لها كالحصار حيث يكثر الأيتام في المناطق المحاصرة في سوريا، ومع كل هذا تغيب النشاطات بشكل واضح عنهم، ليأخذوا شقاء هذا اللقب الذي لازمهم، كبلدهم اليتيم مثلهم تماماً.

 

يمنى الدمشقي:

JoomShaper