أنتوني ليك *

في هذا الشهر تدخل الأزمة السورية عامها الوحشي الخامس.

إنه لحدث مروّع، أن يمضي على تصاعد العنف والمعاناة أربع سنوات في سورية، دون بارقة تلوح في الأفق لإيجاد حل.

عشرات الآلاف من المدنيين فقدوا حياتهم والملايين فروا من بلادهم. وتعرضت المنازل والمدارس والمستشفيات للهجوم المباشر. ومجتمعات بأكملها أضحت خارج المساعدات الإنسانية، من ماء وطعام. وانتشر العنف عبر الحدود مثل عدوى مُجتاحة.

والآن نرى هذا الرعب في عيون الأطفال الذين يعيشون فيه. بيوتهم دُمّرت أو هُجرت، وفقدوا أحباءهم وأصدقاءهم، وتعليمهم توقف أو حتى لم يبدأ قط، وسُرقت منهم طفولتهم.

وفيما تُعد هذه أسوأ أزمة انسانية في الذاكرة الحديثة، تقدّر اليونيسف أن حوالي 14 مليون طفل، تأثروا بهذه الأحداث في سورية ودول الجوار.

بالنسبة للأطفال الأصغر سناً، فكل ما يعرفونه عن هذا العالم، هو هذه التجربة المضرجة بألوان العنف والحرمان.

وبالنسبة لليافعين، الذين يدخلون سنوات التكوين والنضج فالعنف والمعاناة لم يشوها فقط ماضيهم، بل هو يشكل مستقبلهم كذلك.

وبينما يقوم الشباب في مثل سنيهم في البلدان الأخرى، بالبدء باتخاذ خياراتهم، التي تصنع مستقبلهم، فهم فقط يحاولون البقاء على قيد الحياة، لقد واجه عدد كبير منهم قسوة مفرطة، أو وقعوا تحت ضغط، ليعملوا ويعيلوا أسرهم، أو أُجبروا على الزواج في سن مبكر، بينما لا يزالون أطفالاً أو تم تجنيدهم من قبل الجماعات المسلحة.

ما هي الخيارات التي يمكن لهؤلاء الأطفال أن يختاروها؟ وما هي الخيارات التي يملكونها؟

هل لا يزالون يؤمنون بمستقبل أفضل؟ أو بكل بساطة، سوف ينقطعون في حالة من اليأس، ويقيلون أنفسهم بسبب محدودية الفرص لمستقبل غير مستقر؟

والأسوأ من ذلك، هل سيعاودون العنف على أنفسهم، بعد أن صار هذا الأمر اعتيادياً لكثرة مشاهدته؟

قبل عام واحد، حذّر القادة الانسانيون من خطر فقدان جيل كامل، بسبب العنف والحرمان، اضافة لضياع فرصة وجود مستقبل أفضل لسورية والمنطقة. ولكن هذا الخطر لم يتراجع.

ومع دخول الأزمة عامها الخامس، ما يزال هذا الجيل من الشباب، معرضا لخطر الضياع، في دوامة العنف، وسيتضاعف هذا الخطر مع الجيل القادم، بسبب ما عانوه بأنفسهم.

وقد استجاب المجتمع الدولي لهذه الأوضاع المتجهمة، محاولاً الوصول الى هؤلاء الأطفال مع المساعدات الانسانية والحماية والتعليم والدعم، ولكنها ما تزال غير كافية.

لا يمكننا التخلي عن هؤلاء الشباب، ونحن بحاجة الى الوصول الى عدد أكبر منهم، قبل أن يتخلوا هم عن أنفسهم ومستقبلهم.

ما يزال هناك متسع من الوقت، وما يزال هناك أمل. على الرغم من الأذى الذي لحق بهم، والأخطاء التي تحملوها، وعلى الرغم من عدم قدرة البالغين الواضحة، على انهاء هذا الصراع المخيف، فإن هؤلاء الأطفال، ما يزالون يتحلون بالشجاعة والتصميم على بناء حياة أفضل.

والأطفال، شأنهم شأن علاء، البالغ من العمر ستة عشر عاماً، الذي فر من منزله في مدينة حمص السورية منذ سنتين، تعطّل ذهابه الى المدرسة، ولكنه كان محظوظاً، إذ وجد برنامجاً للتدريب الوظيفي. وهو الآن يقوم بدورات تدريبية للأطفال الآخرين.

والأطفال أيضاً، مثل كريستينا، البالغة من العمر 10 سنوات، عبر الحدود شمالي العراق. كريستينا تعيش في ملجأ للعائلات النازحة، وتقوم بمساعدة الأطفال الأصغر سناً، في دروسهم، لأنها تريد الحفاظ على دراستها.

فعندما نرى تصميمهم، كيف يمكننا أن نكون أقل تصميماً في مساعدتهم؟ وعندما نرى أنهم لا يستسلمون، لفقد الأمل، فكيف نفقد نحن الأمل؟

إذا فعلنا ذلك، فإن الأجيال القادمة ستستشعر العواقب، منا جميعاً.

وهذه الأزمة الرهيبة لم تؤثر فقط على ملايين الأطفال، بل على الكبار، أيضاً حيث أن القرارات التي يتخذونها ستؤثر كذلك على مستقبل الملايين في بلدانهم وفي المنطقة. هل سيكون مستقبلهم مفعماً بالأمل والمصالحة، أم سيكون مستقبلاً مفعماً بالعنف واليأس؟  وهذا الأخير ليس المستقبل الذي يستحقونه. وهو بالتأكيد ليس المستقبل الذي نريد أن نراه.

 

* المدير التنفيذي لمنظمة اليونيسيف.

JoomShaper