– POSTED ON 2014/12/06
POSTED INمي الصايغ: الجمهورية
على أبواب عيد الميلاد المجيد، تخيّلوا أن يكون حلم طفلة في مخيّم الزعتري الذي يأوي نحو مئة ألف لاجئ سوري في محافظة المفرق (70 كيلومتراً شمال عمّان)، أن تعيش في كرفان وليس خيمة، فتفضّل عدمَ الالتحاق بالمدرسة، هرَباً من مضايقات رفاقِها الذين يُعيّرونها بواقعِها المؤلم.
ترفض ولاء إبنة تِسعِ السنوات الذهاب إلى المدرسة في المخيّم الذي تنتشر فيه ثلاث مدارس: سعودية وبحرينية وقطرية. ويقول والداها قُصَي (إسم مستعار) الذي يتحدَّر من درعا، لـ«الجمهورية» التي التقَته في زيارة إلى مخيّم الزعتري: «أولادي لا يريدون العودة إلى المدرسة، إنّهم محبَطون، رفاقهم يعيّرونهم بأنّهم يعيشون في خيمة، إبنتي ولاء صرَخت في وجهي وقالت لي: لن أعود إلى المدرسة قبل أن ننتقل إلى كرفان».
فمنذ نحو سنة، لا يزال ربّ الأسرة التي تتألف من 6 أولاد يطلب الانتقال من خيمة الى كرفان، لكن من دون جدوى. ويلعن قصَيّ الذي يبلغ 45 عاماً الساعة التي فرّ فيها من سوريا إلى الأردن، حيث «لا مساواة في التعامل بين اللاجئين، فمَن لديه واسطة يستطيع الحصول على كرفان»،… «لقد بتّ أكره نفسي».في المقابل، لا يرى رفيق قصَي في اللجوء مصطفى (إسم مستعار) الدرعاوي أيضاً، والذي يعمل في التنظيفات، ضرورةً لتعليم أولاده الخمسة، ويعتبر صاحب الذقن الخفيفة أنّ «التدريس في المخيّم شكليّ».
إلّا أنّ إحدى المدرّسات الأردنيات تؤكّد «أنّ مستوى التعليم في الزعتري جيّد، ونسبة من يدرسون أكثر من المتسرّبين، ومعدّل عدد التلاميذ في الصف 70 طالباً»، ومواد التدريس هي لغة عربية وإنكليزية ورياضيات، أمّا الكتب والطعام والقرطاسية فتقدَّم مجاناً، والمدرّسون يتقاضَون رواتبَهم من «اليونيسف» عن طريق وزارة التربية الأردنية.
ويسخر قُصَي من المنظّمات الإنسانية التي توفّر للّاجئين سمَّ فئران لرَشِّه في الخيَم، وعدم تزويده بالدواء والعلاج لزوجته التي تعاني الصرَع.
ويقول والغصّة تعتصره: «بتنا عائلة منكوبة، في الليل البرد قارس، وعندما تتساقط الأمطار تدخل المياه الى خيمتنا، والله العظيم أفكّر بالعودة إلى سوريا، لكنّني لا أستطيع تحمّلَ أن يصيبَ أولادي مكروهٌ بسببي». وينتقد قصَي لامبالاة المعارضة السورية تجاه اللاجئين: «لا يسألون عنّا، فالشَبعان غير الجوعان».
يقاطع مصطفى، قصَي، ليقول: «بشّار الأسد أرحَم من المعارضة، المعارضة والائتلاف صُمّ بُكم، نحن نُهان يوميّاً وهم يعيشون في الفنادق».
غير أنّ قصَي يرفض الترحّم على الأسد، على رغم مآخذه الكبيرة على المعارضة والائتلاف تحديداً. ويبقى حلمُه أن يزاول عمله كحَلّاق رجّالي، لكنّه لا يملك مبلغ 50 ديناراً لاستئجار قطعة أرض وفتح كرفان للحلاقة، متسائلاً: «أيّ زبون سيرضى بأن يقصّ شعرَه في خيمة؟»
في خيمة أخرى، المعاناة تتكرّر على لسان أشخاص جدُد. وتقول إبتسام (إسم مستعار) الأم الدرعاوية لـ5 فتيات: «لديّ ابنتان تعانيان من الجدري، وجميع أولادي ليسوا في المدرسة، لأنّ التسجيل لشهر تشرين الأوّل انتهى، وعلينا أن ننتظر حتى مطلع السنة حتى نسجّلهم».
وتتابع السيّدة الأربعينية: «لقد غمرَت المياه خيمتنا مرّات عدة، يمكنكم لمس الأغطية المبلولة بالمياه. لقد هربنا بعدما مللنا الركضَ بأطفالنا إلى الملاجئ»، متسائلةً: «ماذا في وسعنا غير التحمُّل؟».
في الجهة المقابلة، تبدو الحَجّة حياة (إسم مستعار) للوهلةِ الأولى أكثرَ حظّاً من إبتسام، فهي تعيش في كرفان. لكن ما إنْ تطلّ من الباب، حتى تُصعَقَ بوجود 4 أولاد معوّقين. وتقول الوالدة التي تبلغ 47 عاماً: «عايشين شوفِة عينِك، المفوّضية العليا لشؤون اللاجئين لم تُعطني كرفاناً، لكنّ شيخاً سعودياً قدّرَ الحالة الإنسانية التي نمرّ بها، فأمّنَ لنا هذا الكرفان».
حِملٌ ليس بالسهل على الحَجّة حياة التي كسَت التجاعيدُ وجهَها، وتنصرف إلى رعاية أولادها، في حين يعمل زوجَها في بيروت لتأمين معيشتهم. وتقول: «نحن هنا منذ سنة ونصف، وأولادي يعانون الصرَع، في حين أنّ الأدوية التي يعطوننا إيّاها أشبَه بحبوب بانادول»، ولسان حالها: لا نريد غير «رحمة الله».
بَيع المساعدات
نتابع جولتنا في المخيّم المقسّم إلى 12 قطعة، والذي يبدو أشبَه بمدينة تُحكِم قوّات الأمن الأردنية قبضتَها عليها من خلال عناصر الأمن الوقائي، وتجنيدها لاجئين ليكونوا عينَها الساهرة في الداخل، في خطوةٍ إستباقية لتفادي توتّرات أمنية شبيهة بأحداث عرسال في لبنان.
يقف لاجئون في صفّ طويل أمام «المجلس النرويجي للّاجئين» للحصول على «حرامات» تقيهم صقيعَ الشتاء، بعضُهم يستلم حصّته ليعود ويبيعها.
ويقول مسؤول التوزيع في المجلس النرويجي للّاجئين، الذي طلبَ عدمَ الإفصاح عن اسمِه، لـ«الجمهورية»: «إنّ المركز يؤمّن احتياجات سكّان المخيّم في الشتاء»، من دون أن ينكرَ وجودَ «شحّ في المواد»، مشيراً إلى أنّ ما وُزّع في 27 تشرين الثاني هو تبرّع من الممكلة العربية السعودية ويشمل تقديمَ الألبسة و«الحرامات».
وإذ يؤكّد مسؤولُ التوزيع أنّ المركز لا يستطيع منعَ اللاجئين من بَيع «الحرامات» التي تُمنح لهم، يقاطعني لاجئ سوري ليقول: «أنتِ ترتدين جاكيت، هل تبيعينها»؟ كان جوابي: بالطبع لا. هزّ برأسه قائلاً: «إن احتاجَ أولادُك شيئاً، ستضطرّين إلى بيعها، فنحن نبيع الحرامات لتأمين الغاز لتدفئة أطفالنا».
شابٌّ آخر درعاوي قدِم إلى الأردن هرَباً من الخدمة العسكرية، باع بدورِه «الحرام» الذي حصل عليه لإعالة أولاده الأربعة
ويذكّر بحملة توزيع مدفأة غاز على اللاجئين، فالبعض حوَّلها إلى طاولة لأنّه لا يملك ثمنَ الغاز لتعبئتها. ففي العادة تتقاضى كلّ أسرة قسائم شراء بقيمة 20 ديناراً توزّع على دفعتين شهرياً لتأمين حاجاتها، لكنّ ذلك لا يكفي.
وفي حين يشكر عدد من اللاجئين الأردن لفتحِ أبوابه أمامهم، ينتقد قسم منهم لبنان والدوَل العربية. ويقول أحدهم: «لقد ندمنا على الضيافة واستقبال اللبنانيين في منازلنا، أمّا العرب فيتفرّجون علينا».
تستمرّ الجولة تحت زخّات المطر، والسَير في الوحل، ولسعاتُ البرد تصيب قدمَيّ مع خلعِي حذائي الشتوي عند مدخل كلّ خيمة، مع شعورٍ بالخجل ممزوجٍ بالألم على هؤلاء الأطفال الذين يرتدون ثياباً رقيقة وأحذية صيفية. وعند مدخل أيّ كرفان، تمتدّ خطوط كهرباء عشوائياً، فتلسعُك الكهرباء التي تختلط مع مياه المطر.
والمحزِن أنّ عدداً من الفتية الذين التقيناهم فضّلوا التسوّلَ على الذهاب إلى المدرسة. ويقول أحدهم: «نريد أن نعيش، مهنتًنا أن نشحذ». نماذج تجسّد صورةً لجيلٍ ضائع، في وقتٍ يُفترض أن يكون هؤلاء الأمل لسوريا المستقبل.
موضوع زواج القاصرات إلى رجال من الخليج لقاءَ حفنةٍ من المال، وإجبار اللاجئات على العمَل في الدعارة، يتطرّق إليه أبناء المخيّم بخجلٍ وفي الخفاء.
أمّا في العَلن فينفي ربّ أسرةٍ درعاويّ ذلك جملةً وتفصيلاً. ويقول: «أنا زوّجتُ بناتي في سوريا قبل أن أهربَ لتجنيبهم هذا المصير، نموت ولا نقبل أن يدقّ أحدٌ بأعراضنا، كرامتُنا وشرفُنا مقدّسان».
ياسمين الشام
وعلى رغم شظف العيش الذي يقاسيه أبناء مخيّم الزعتري الذين ينحدر غالبيتهم من درعا، تظهر بعض ملامح الحياة شبه الطبيعية من خلال انتشار مدارس ومستشفيات ميدانية وجوامع وعيادة نسائية للتوليد بدَعمٍ من صندوق الأمم المتحدة للسكّان.
خدمات، على رغم أهميتها، إلّا أنّها ليست كافية، إذ تتساءَل السيّدة الدرعاوية الحامل وهي في شهرها التاسع: «هل علينا أن نموت من البرد القارس لنرى الطبيب؟ لماذا لا يضعون جهاز تخطيط ثانياً لكي لا ننتظر لوقتٍ طويل؟»
واللافت أنّ المطاعم وسوق الخضار والفاكهة ومحالّ بيع الحلوى والألبسة وتجهيز العرائس والاتّصالات تنتشر بقوّة، ورائحة الشام وياسمينها حاضرة فيها، فتجد متجَراً يحمل إسم ياسمين الشام للاتصالات، ومتجَراً آخر لحلويات ياسمين الشام.
وفي مطعم «فرّوج وبروستد حمادة»، يترواح سعر سندويش الشاورما ما بين نصف دينار أو 0. 75 دينار. ويقول أحد الشبان العاملين في المطعم: «الإقبال جيّد، ورواتبنا ترتبط بحركة العمل».
إلى جانب المطعم، تجد حلويات شامية، حيث يبيع الشاب الدرعاوي الثلاثيني في متجر حلويات «الفاروق»، حلويات يصنعها أولاد خاله في معمل في المخيّم. ويقول أحد الزبائن: «نريد العودة إلى سوريا لنرتاحَ من هذا الوضع، الإنسان في بلده فقط يشعر أنّه عزيز وكريم».
وحتى متاجر جهاز العرائس تجدُها في أكثر من مكان داخل المخيّم. ففي «معرض أصايل الشام» يتراوح سعر جهاز العروس بين 400 و 500 دينار. ويقول صاحب المتجر (24 عاماً) الذي كان يُدرّس الحقوق في سوريا: «في فصل الشتاء الإقبال على الزواج ضعيف، لكنّ المعدّل ما بين 3 و5 زيجات في الشهر تقريباً».
تتوالى القصص ويتحدّث بعض اللاجئين عن وجود شبّيحة وأزلام للنظام السوري في المخيّم. ويقول أحدهم: «نظام الأسد يعرف كلّ ما يجري في الزعتري بفضل شبّيحته». ويكشف شابٌّ فرَّ من سوريا منذ سنتين خوفاً من الخدمة العسكرية الإلزامية عن خضوعه لـ»دورة تدريبية عسكرية في الأردن ونِيّتُه العودة مع 400 أخرين للقتال في درعا».
شكاوى الأردنيّين
أمّا على مدخل باب مخيّم الزعتري، فتستمرّ الشكاوى لكن من أبناء الأردن. ويقول الشاب الذي يعمل كسائق حافلة: «نعاني من الطفَر، عملُنا تراجَع بوجود السوريّين. بعض العمّال في المخيّم الذين يقدَّر عددُهم بنحو 5000 يخرجون من المخيّم عن طريق التهريب ليعملوا في مزارع الزيتون والبندورة».
ويتابع ربّ أسرةٍ لأربعة أولاد: «ليس في جيبي أكثر من 3 دنانير. أبناء محافظة المفرق يعانون الطفَر، فقط أبناء الزرقا وعمّان وإربد محظوظون، ويعملون في المخيّم، في وقتٍ يُحرَم أبناء المفرق من ذلك، حتى الإيجارات ارتفعَت أسعارها من 50 إلى 600 دينار». يخالف صحافيّ أردني سائقَ الحافلة في الرأي. ويقول: «إنّ هناك مبالغة بالحديث عن أخذ السوريين عملَ الأردنيين.
لقد خلقَ المخيّم فرص عمل جديدة، وللأسف بعض الأردنيين يعانون من الخمول وليسوا كالسوريّين يكدحون لتأمين لقمة العيش». في خضمّ ذلك، تصرخ سيّدة سورية درعاوية في العقد الخامس من عمرها كانت تغادر المخيّم متسائلةً: «ماذا نستفيد من الصحافيين تأتون، تصوّرون، و«يشحدون» علينا، والأمّة العربية تتفرّج علينا ونحن نموت؟».
وتقول السيّدة التي تحمل جواز سفر كويتياً إلى جانب جنسيتها السورية: «لم أعد أستطيع العيشَ في المخيّم، في الشتاء بردٌ وفي الصيف نار، لا أريد أموالاً، أريد العودة إلى سوريا».
يبقى أمل اللاجئين السوريبن – مهما طالت رائحة الموت فوقَ سماء دمشق، ومهما عطِشوا وجاعوا وتألّموا، كما يقول الراحل نزار قباني في قصيدته: «ياسمين دمشق سيبقى أبيض مهما خانتهُ الفصول» – أن تُشرقَ شمسٌ جديدة على دمشق، شمسٌ تخبّئ تحت نورها الفرَجَ لأهلِ الشام وأرضه.