كاثرين ريتشاردز — (الأوبزرفر) 2014/10/10

ترجمة: عبدالرحمن الحسيني

أثبتت صور أعمدة الدخان المتصاعد من بلدة كوباني السورية الكردية المحاصرة أنه من الصعب تجاهلها. ذلك أمر مفهوم تماماً. ولكن، بعيداً عن أحدث عمل عسكري يجري في تلك المنطقة، فإن ثمة قصة إنسانية أخرى تتشكل تفاصيلها وتتعلق بالناس الذين تقع منازلهم تحت الحصار.

على بعد قليل فقط من شارع رئيسي في البلدة الحدودية التركية الجنوبية سوروس، ثمة اللاجئون الذين من الصعب تجاهلهم، يجلسون على قارعة الطريق ويخرجون زرافات ووحداناً من خيامهم المؤقتة. وفيما كان زملائي يجرون الترتيبات النهائية لتوزيع البطانيات في مخيم اللاجئين الذي أسس أخيراً، أسر شيء انتباهي. كان رجل طاعن في السن يحظى كما هو واضح باحترام في المجتمع الجديد الذي وجد هؤلاء الناس أنفسهم وقد ألقي بهم فيه، يغادر الجمع ويتجه نحوي.

كان مغضباً، ولديه رسالة: "إنهم  يدمرون منازلنا. إنهم يغتصبون بناتنا. نحن ندافع عن العالم بأسره في وجه هذا الإرهاب".

وتشاركه العائلات المقيمة في الخيام المحيطة به غضبه ويأسه. ثمة امرأة تحدثت معها قالت لي إن صهراً لها قتل قبل عدة أيام أثناء المعارك. والآن، يقف أخوها على خط المواجهة مخاطراً بحياته لحماية بلدتهم. وبدلاً من الحزن والمعاناة في بيت عائلتهم في كوباني، أصبح عالمهم الجديد الآن هو خيمة مقامة على أرضية من الحجارة الصخرية.

كانت تريد يائسة المكوث في منزلها. لكنها عندما سقطت ثلاث قذائف على ضاحيتهن فقد اضطرت عائلتها إلى عبور الحدود. أي خيار كان لديهم؟ قالت لي إن الخوف تملكهم من أن يواجهوا نفس المصير الذي كان قد واجهه سكان مدينة سنجار في كردستان العراقية. خافوا أن تسبى أخواتها وصديقاتها وأن يتم بيعهن في سوق النخاسة والرق، أو أن يتعرضن للاغتصاب وأن يختطف أبناؤها الثلاثة وأن يقتل زوجها. لم يكن لديها أي خيار. وهكذا، ومثل كل أولئك في الخيام من حولها، تم اتخاذ القرار بالمغادرة وغادروا بسرعة، حيث وضعوا الملابس على ظهورهم ونقودهم في جيوبهم - نقود لم تكن كثيرة.

الشتاء الآن قادم على الطريق، وأولادها يرتدون قمصاناً خفيفة قصيرة الأكمام فقط ولا يتوافرون على أي وسائل لكسب المال. وفي اليوم الذي التقينا فيه، كانت مؤسسة "كير إنترناشنال" للإغاثة توزع بطانيات عليهم حتى يتقوا برد الليالي. وفي اليوم الذي أعقب لقاءنا، هطلت أمطار غزيرة على المنطقة، لكن تغيير الملابس لم يكن خياراً متاحاً لهم.

لم تكن هذه هي المرة الأولى التي تواجه فيها هذه المرأة إنهاك وقلق الاضطرابات. ومثل العديد من الناس الذين يعيشون في كوباني، كانت قد هربت أصلاً من العنف المستعر في جنوبي سورية. في ذلك الوقت، كانت مجموعة مختلفة هي التي تحاصر منازلهم، لكن الإرهاب ما يزال هو نفسه، وأولادها الثلاثة الذين لا يتعدى عمر أي منهم الست سنوات أصبحوا يعيشون الآن في "بيتهم" الثالث في حيواتهم القصيرة.

من المشكوك فيه أن أولادها سيتلقون تعليماً في أي وقت قريب: حتى الآن، ومثل جيل سوري كامل، ما يزال مستقبلهم على المحك. ربما يكون هؤلاء الأطفال صغاراً على التفكير في تعليمهم، لكنني تذكرت مترجمتنا السورية التي كانت بعد أربعة أعوام من العمل الجاد على بعد عام من التخرج من الجامعة مهندسة ميكانيكية. كما أنها لم تجد أي طريقة لمتابعة دراستها وتأهيلها في تركيا، وهكذا فقدت مهاراتها - مهارات كانت ستسدي خدمة كبيرة لوطنها.

كل أولئك الناس الذين التقيت بهم، سواء أكانوا من القادمين من الأزمة الأحدث في كوباني، أو الذين جاءوا من تلقاء أنفسهم والذين يعانون من أنواع التروما والرعب المختلفة بسبب خبراتهم المرعبة في بلدات سورية مختلفة، يتوقون للعودة إلى الوطن. وبينما تتصاعد أعداد اللاجئين في المنطقة -3 ملايين هربوا إلى بلدان مجاورة - وبينما تجيء وتغدو ذكريات الصراع، يصبح من الأصعب تخيل فظاعة القصص الفردية من الألم والفقدان.

لكنه لا يجب علينا أن نصبح حصينين أمام قصصهم، ولا نستطيع أن نتخلى عنهم لحياة من دون مستقبل.

 

*نشر هذا المقال تحت عنوان Desperate, angry, fighting for their lives- Syria's refugees must not be forgotten

الهروب المستمر أصبح جزءاً من حياة الكثير من العائلات السورية اللاجئة في تركيا.

JoomShaper