حين كانت البلاد بلادنا.

الرجل يزرع شجرة. المرأة تسقي وردة. الأولاد مشياً إلى المدرسة القريبة. الجيران يتبادلون التحية والعون. الوجوه تنطق بالفرح. نعمة الرضى، بل هي نعمة الوضوح. يكاد الإنسان يعرف مسار عمره من الطفولة إلى الشيخوخة، في بلاد تحتفل بالطبيعة مع هدأة الصيف ورياح الشتاء.

الطبيعة تنطق من فم الإنسان العامل، من ضحك الحصّادين، من ابتسامة حبيبين، من بيت جديد في الطريق إلى أعلى التلّة.

لا حدود للحنين، حين تنقلب الأحوال مثل زلزال هائل في العصور الأولى للتكوين.

لم نكن ندري أن بلادنا هشة بحيث تنتحر بأيدي زعرانها. أين الكتاب، بل أين الكتب وحكايات الحكماء وهدهدات الأمهات وغناء الرعاة ومعاني النقوش على آثار أسلاف لا نعرفهم؟

لا شيء.

كانت بلادنا وهي اليوم ساحات لحرب وخراب لا لعيش بشر.

«كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا

أنيسٌ ولم يسمر بمكة سامر

بلى نحن كنا أهلَها فأبادنا

صروفُ الليالي والجدودُ العواثر».

 

> الثلثاء 2/9/2014: متى يكون سوريّاً؟

حين تظاهرنا مطالبين بدولة ديموقراطية عادلة، كنا نشعر بتضامن وبأمل يحدونا إلى غاية اجتماعية، لا شخصية ولا فئوية، ونتلقى ضربات الشرطة والاستخبارات بصدور المَطالب المحقة.

أخذتني التظاهرات إلى الثورة، وأوصلتني الحماسة إلى السلاح. كانت الحجة جاهزة وماثلة: تعذيب أطفال درعا وإهانة أهلهم. وكان السلاح ولا يزال يأخذني ويأخذ أبناء وطني الثائرين إلى مستويات من العنف غير مسبوقة، وإلى شعارات تتعدى مطلب تغيير النظام السياسي إلى استبدال نمط حياة نعرفه ونأنس إليه بنمط مجهول يستمده القادة الجدد من كتب قديمة ومن اجتماع تخطته البشرية.

ولا يسمح النظام لي ولا لغيري بالتراجع، حين يستثمر أزمة الثورة السورية بالتأكيد على نجاحه وأنه هو السبيل الذي ضيّعناه فضللنا. هذا النظام آيل إلى السقوط، وما من عاقل يسأل: الى أين سيسقط النظام، أي إلى أي جهة في الثورة ستؤول أمور السوريين، وقد صارت الثورة ثورات؟

أسئلة بدائية هذه، وأبعد منها ما أطرحه على نفسي وقد أوصلتني الثورة المسلحة لأن أكون واحداً من جماعة جهادية جذبتني وجذبت غيري بحكم الضرورة، وخلال حراك المعارك الذي أفلت من أيدينا ولا يتسع لإراداتنا.

نقد الثورة ممنوع أكثر مما هو ممنوع نقد النظام، ولا محل في سورية الحبيبة لتفكير سوري ثائر، ولكن عاقل، ينظر إلى المستقبل ويحاول فتح الأبواب المغلقة.

ولاحـــظت أنني أفكر بوطني سورية في ساعات السهاد، وربما أثناء النوم، لا أدري، إذ لا أجرؤ على التفكير فيه أثناء اليقظة، حين أكون مجرد عبد مطيع لقادة معظمهم من الأجانب، الدولة الإســـلامية هدفهم وسورية خارج الاهتمام، سورية التي انطلقت باسم مستقبلها ثورتنا.

ها نحن الآن في كوكب آخر، وإن كنا نتحرك على أرض كان اسمها سورية. وفي كوكبنا نجتمع من جنسيات مختلفة تحت شعار الإسلام السياسي متصنّعين الانسجام الذي نفرضه بسطوة القوة والمال على من تبقى من السكان، ونرفع صوتنا ومدافعنا في وجه الآخر: إما الانضمام إلينا أو الموت.

أنا الثائر السوري أحاول مع غير السوريين احتلال بلدي وتغيير عقائد أهله وسلوكياتهم بالقوة، أحاول فأنجح، وفي يقيني أن الفشل آخر طريقي.

أنا الثائر السوري، صرت أشعر بسوريتي فقط في المنام.

 

> الأربعاء 3/9/2014: الحلم الفرنسي

أياً كانت الأسباب، فالمهاجر يترك وطنه بعد استحالة العيش فيه. أعني بالمهاجر ذلك الذي يسافر بلا عودة، وإن شعر في وطنه الجديد بالحنين وتابع أخبار وطنه الأول بشيء من الحماسة. لا بد من الحسم. الهجرة تعني الإقامة الدائمة في وطن آخر والانتماء إليه والاندماج في مجتمعه، خصوصاً إذا كان متمدناً يقبل الآخر ويحتضنه ويقدّر اختلافاته.

مشـــكلة معظم المهاجرين اليوم، أنهم يهاجرون ولا يـــهاجرون، أي يرفضون الاندماج في مجتـــمعهم الجديد على رغم اعترافه بعقائدهم الروحـــية. يريد هؤلاء أن يكونوا غزاة، أو في الحد الأدنى شركاء يفرضون على السكان الأصليين قوانين وضعية طبقت قبل مئات السنين ويعتبرونها مقدسة، يفرضون ذلك وإن أدى الى اقتطاعهم جزءاً من الأرض الجديدة ليحوّلوها الى أرض قديمة.

وزيرة التربية في فرنسا نجاة فالو بلقاسم تعرف بالبداهة والبراءة معنى الهجرة، لذلك مارست الاندماج بلا تحفّظ، ووصلت الى موقع القرار في بلد أسس بثورته نهضة الإنسانية الحديثة. إنه الحلم الفرنسي، وقد تحقق لهذه السيدة التي وصلت إلى فرنسا في الخامسة من عمرها وعاشت في كنف أب جزائري مهاجر يعمل في قطاع البناء.

إنه الحلم الفرنسي وغير الفرنسي ينتظر المندمجين ليحققوه، لا ليختلقوا مشاكل غير مبررة للجاليات، كما لأوطان الاستقبال.

 

> الخميس 4/9/2014: ناجي بيضون

ديوان ناجي بيضون «قصائد ساخرة» (دار الفارابي- بيروت- 2014) تحلو قراءته في مجالس الأصدقاء. وإذ تقرأه وحدك لا تجد من تتبادل معه الانطباعات عن هذه القصيدة أو تلك. شعر لقراء متعددين مجتمعين لا لقارئ واحد.

والقراء هؤلاء ينبغي ألاّ يتجاوزوا عشرة أو أكثر قليلاً، فليست القصائد منبرية لتخاطب حشداً يلتقط القليل مما يسمع وينفعل بالقليل مما يلتقط.

يذهب ناجي بيضون بالسخرية إلى حدّ التقريع والتجريح، فمعظم من تتوجه إليهم القصائد لا أمل في عودتهم إلى الصواب، والأوضاع التي تسخر منها لا أمل بتعديلها بعدما ترسخت في الواقع وفي النفوس.

«قصائد ساخرة» هو الكتاب الرابع لناجي بيضون بعد «كاريكاتور بالكلمات» (1994) و «انتحار عنتر» (1998) و «ديوك العولمة» (2008). بذلك يتقدم الشاعر والكاتب والمحامي اللبناني كناقد لطيف لمفارقات الأصدقاء، لكنه لاذع حين يقارب السياسة والاجتماع، وهو يفضّل لنقده أسلوبَي الشعر والسرد على المقال أو البحث. هناك أقلام كثيرة تشرّح أوضاعنا، وقلما نحظى بشعراء ساخرين.

ولا تحيل قصائد بيضون إلى فن الهجاء الخالص، وإن قاربته أحياناً، فالشاعر حين يفقد الأمل بإصلاح ما يرى يحيله على السخرية المرّة، علّ الآتي من الأوضاع والأشخاص لا يستحق مثل سخرية بيضون.

ومن الكتاب هذه المقاطع:

- «لا تسل عنا ولا كيف لقانا»

واسأل التاريخَ عن شعب سوانا

نحن كنا أمةً واحدة

باعنا العسكر والغرب اشترانا

نحن نمنا نومة الكهف فلا

توقظ النائم أو تبكي الحزانى

أكل العسكرُ أحلام الضحى

فاستراحت في ظلامٍ مقلتانا

يا فريقاً صفَّف الشعر فتى

في غرام الحكم أضحى «دنجوانا»

ليس في الساح سوى صورتكم

تضحك اليائس أو ترضي المهانا

- مجانين أميركا

يرق إذا رق الكلام حديدها

فنيرانها عيد وفي القلب عيدها

«نحنُّ إذا بانت ونصبو إذا دنت»

وينهش في الصدر الحنون وليدها

إذا أنكرت فالبوح في الحب منكرٌ

وإن وعدت تشفي القلوب وعودها

حبيبتنا إن مانعت وتجاهلت

يزيد لدينا في الغرام رصيدها

ونحن هدايانا رموزٌ بريئةٌ

إذا زاد هجران الحبيب نزيدها

خذي ما لدينا واعبثي وتدللي

لحانا إذا ما رمت لا نستعيدها

تعالي ففي الشرق الغرام مذلةٌ

وصدِّي ففي صدّ الحبيبة جودها

جننا بأمريكا وجنّتْ بغيرنا

«وأخرى بنا مجنونة لا نريدها».

JoomShaper