أوراق صغيرة متناثرة على طاولته ،يحاول أن يملأها بالحروف قبل أن يحل الغروب، يود بعدها أن يكتفي بالصمت إلى أن يأسره التأمل ليلاً ، فيُنصت إلى تلاوة عذبة من القرآن الكريم في شهر فضيل تاركاً خلفه حياة هالكة .
لا يرغب في شيء سوى العيش بهدوء بنسيان الماضي والبدء من جديد بروح موقنة برحمة الله -تعالى- يتمنى أن يمطر الاستغفار حياته فتنبت في محيطه وروداً من الابتهاج، فلا هماً يخالطه ولا عذاباً يقاسيه مؤمناً بأن من كان مع الله كان الله معه .
" في كثير من الأحيان يتوقف نبض أحدهم وصدره مليء بالآهات المكبوتة فتُدفن معه في قبره " هو يؤمن بذلك ، والآن خلجات نفسه قد شارفت على الوقوع في كنف الأوراق، فأصبح غائباً عن واقعه بعد أن أمسك القلم مستسلماً لهيمنة الحروف .الورقة الأولى :
في رمضان سأغيّر واقعي الذي يحيط بي، سأمنح نفسي فرصة لأن أتبدل وتتطهر روحي الغائبة عن الجو الإيماني، سأحاول جاهداً أن تصبح حياتي بمفهوم آخر وبنفس راضية بحكم الله وقضائه ، سأرفع يدي إلى السماء وقلبي يختزن الكثير من الدعوات ، لكي أجعلها تتطاير إلى الأعلى عليّ أحظى بالاستجابة، وربي لا يُخيّب من دعاه .
الورقة الثانية :
في رمضان يتوقف الناس لساعات عن التهام الطعام، وطوبى لمن يتوقف أيضاً عن أكل لحوم البشر والطعن بهم ومجاراة السيئة بالسيئة ، والتمادي في استخدام اللسان السليط الذي يتناثر منه " السم الهاري"، فإن كانت الشياطين مصفدة في السماء برمضان، فإن بعض البشر على الأرض يحتاجون إلى تصفيد أيضاً !
الورقة الثالثة :
القرآن يمتص همومك وآلامك وشجونك كالإسفنجة فيُزيلها تماماً، لاسيما إحاطتك بالحسنات، فبكل حرف حسنة ، وفي رمضان تتضاعف إلى أجر عظيم، وهو الصاحب الذي لن يخذلك ، ولن يتركك وحدك إن جعلته جزءا لا يتجزأ من حياتك، والعبرة لمن جعله ملازماً له في جميع أيامه وليس فقط في رمضان .
الورقة الرابعة :
بعض البشر وجودهم شر في هذه الحياة ، منهم من يؤذيك بلسانه، وآخر يسترق السمع وراء بابك لكي يُخزّن ما تقوله في القرص الصلب المغروس في عقله ! لكي يُعيد تشغيله وقت الحاجة عندما يقع تحت وطأة أحدهم ممن يُكنون لك العداء والحقد! فيُسهب الحديث عما قلته وبحت به دون علمك ، ففي رمضان فرصة عظيمة لكي تدعو لهم بالهداية والصلاح وأن يمنحهم الله -سبحانه وتعالى- العقل السليم ، فالدعاء لهم بالهداية خير من الدعاء عليهم، ولله في خلقه شؤون .
الورقة الخامسة :
السير في طريق الحياة ليس إلا غُربة ، مهما كانوا أحبابك حولك، فهناك حياة أخرى في عالم أخروي تنتظرنا ، ومنها سنبدأ، ولكن علينا أن نعُد لها ونبني من أجلها قصور من الحسنات، قبل أن يحين وقت الرحيل المجهول إليها ، فاعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً .
ورقة ختامية :
رمضان سيعود دائماً إلى أن تقوم القيامة، وأما نحن فإننا سنغيب يوماً عنه ، وهذه فرصتنا لكي نتغير، نصلح الكثير من عيوبنا وأخطائنا، ونتسامح ونتقاضى عن أمور عدة يرتكبها الناس في حقنا ، فعودتنا إلى الله -سبحانه وتعالى - هي لوحدها جنة في الدنيا، وأسأل الله لي ولكم أن يجمعنا في الفردوس الأعلى ، ومبارك عليكم الشهر .