أحمد عباس
عندما تغرق نفس الإنسان في شهوات الدنيا وتتحول إلى مجرد وحش مفترس لا يستطيع التوقف عن مواصلة التهام كل المتع الممكنة، والتطلع إلى التهام الممتع غير الممكنة، تكون في طريق الابتعاد عن الله تعالى، وكلما زادت رغبتها في تحصيل المزيد والمزيد من متاع الدنيا كلما ازداد نفورها من الاستسلام إلى الله تعالى أو الرضوخ إليه والحنين إلى دار السلام التي يدعو إليها.
هذه النفس الغارقة في شهوات الدنيا وملذاتها، سواء كانت تحصلها أو تتطلع إليها، تكون فريسة سهلة للغاية أمام الشيطان حتى يوقعها في الخطر الأكبر الذي ينتهي بها إلى أصل الجحيم، ويتمثل هذا الخطر في تولي غير الله تعالى أي البحث عن النفع والهرب من الضرر عند غير الله، والذين يتخذون من دون الله أولياء يكتشفون بمرور الوقت أن السبب الذي جعلهم يقعون في هذا الخطر قد أصبح طيفًا بعيدًا يخبو رويدًا رويدًا بينما يتعاظم هؤلاء الأولياء الذي يتمكلون القلب ويسيطرون عليه ويصبحون غاية ما يرجوه ويخافه.

على أن كل ذلك يمكن أن يكون متوقعًا ومرجحًا وغير مستغرب فالنفس في الأساس اختارت الدنيا وأقلبت على الشهوات والملذات ولم تأمل سوى في تحصيل المتاع الدنيوي العاجل، إلى انتهى بها الحال بالوقوع في براثن أولياء من دون الله يزينون لهم ما بين أيديهم وما خلفهم حتى يحق عليهم القول.. أما العجب وما يثير القلق هو أن تقع بعض النفوس التي ترجو الله واليوم الآخر في نفس هذا الخطر وأن تتخذ من دون الله تعالى أولياء، لا ليجلبوا لها نفعًا دنويًا أو يدفعوا عنها ضررًا دنويًا وإنما ليقربوا هذه النفوس إلى الله زلفى.

ولقد نبّه القرآن الكريم في غير موضع بأن النفوس التي قررت أن يكون خيارها هو النعيم الأخروي والتي قررت أن تعيش في حالة إشفاق من عذاب الله تعالى، يجب عليها أن تكون أكثر حذرًا من الوقوع في براثن تولي غير الله تعالى، فالشيطان لا ييأس من مجرد وجود هذه الإرادة الطيبة القوية المتدفقة إلى الله والآخرة، وإنما يبدأ في تغيير خطته بحيث يبدأ في إقناع هذه النفوس بتولي غير الله ليقربوها إلى الله ويبعدوها عن سخط الله، ثم بمرور الوقت تكتشف هذه النفوس أنها لم تعد تعبد الله نفسه عز وجل وإنما أصبحت تعبد الطريق الموصل إليه.

يا له من خطر عظيم.. أن تبدأ النفس الإنسانية رحلتها إلى الله تعالى ساعية في تحقيق رضاه ونيل محبته والفوز بجنته والنجاة من عذابه، ثم أثناء خوضها هذه الرحلة تبدأ الشواغل التي ترفع رايات المساعدة على الوصول إلى رضا الله والنجاة من عذابه، تبدأ هذه الشواغل تتحول في حد ذاتها إلى مغزى الرحلة وأساسها وسرها ومستقرها.

ومن الطبيعي أن النفوس المؤمنة لن تصارح نفسها أو تعترف أو تقر بأنها أصبحت تنشغل عن الله تعالى بمن تصفهم بـ"أولياء الله" أو الأولياء المساعدين في الوصول إلى الله، لن تعترف بذلك بكل تأكيد ولن تصدق أنها قد انشغلت عن الله نفسه سبحانه وتعالى، وتناست الغاية بالوسائل، فأصبحت الوسائل وكأنها غايات بحد ذاتها.. ما لم يكن الإنسان متمسكًا بحالة من الرقابة الشديدة على قلبه وعقله فيما يتعلق بتحديد الهدف والغاية والإجابة عن سؤال يبدو تقليديًا لو كانت الإجابة عليه ستكون سريعة لكنه شديد العمق والخطورة لو كانت الإجابة عليه ستكون بطيئة وممتدة وهادئة وصادقة ألا وهو: هل أعبد الله عز وجل ؟ أم أنني أحب التمسك ببعض الأمور، واتخاذ أشكالا محددة من السلوك؟.. هل هدفي هو نيل رضا الله وحبه؟ أما أن هدفي الظهور بصورة معينة؟

ليس عجيبا أن الكثيرين من أهل الكتاب، الذين حذرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من أن نسير على نهجهم، قد ضلوا وهم يتصورون أنهم متمسكون بدينهم، وليس عجيبا أن الكثيرين من المسلمين قد ضلوا وهم يتصورون أنهم يزدادون تمسكا بدينهم حيث أكد رسول الله تعالى أنه سيكون هناك أقوام يبالغون في العبادات ويتصورون أنهم قد وصلوا إلى مراحل معينة يسمونها "العشق الإلهي"، وآخرون يحقر المؤمنون صلاتهم إلى صلاتهم وعبادتهم إلى عبادتهم لكنهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم، إنهم الذين نسوا أثناء رحلتهم إلى الله تعالى أن كل عبادة وكل طاعة وكل تمسك بالدين يجب أن يكون هادفًا على الدوام إلى تحقيق رضا الله ونيل محبته كما يريد الله تعالى نفسه.

والعاصم من هذه المنزلقات الخطيرة هو أن يتخذ الإنسان كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم طريقاًا هاديًا يشع بالضياء على الدوام، ويحمي الإنسان من الانجرار إلى أي منعطف يجد فيه "أولياء" يحاولون أن يشغلوا قلبه ويأخذوا منه بوصلته الحقيقية في الوصول إلى ربه.

JoomShaper