د.عمران الكبيسي
علمتني تجارب الحياة مفارقات مر بها أصدقاء ومحبون كانت لي معهم صحبة طويلة ممتعة، فمنهم من كنت أغبطه في آخر العمر على تعلقه الحميمي برفيقة دربه وتعلقها به، حين أراهما أشبه بمراهقين يمران بفترة حب تتوهج ألقا، ربما لم يسعدا بها أيام شبابهما، لكن العشرة الطويلة هذبت شوائب ما بينهما من صفيح الثلج، وزادتهما الصحبة انفتاحا على الحياة وهدوءا ورزانة، وزانهما تقدم العمر تفاهما وانسجاما كانا يفتقران إليه قبل أيام المشيب والشيخوخة. فعوضهما الله خيرا عما مضى. فكان آخر الكأس أحلى من أوله. ومن الأصدقاء من عاش حياة هانئة مستقرة مع زوجته في أيام زواجهما الأولى وما تلاها، حتى بدت لمن حولهما أنها نموذجية، فلم نسمع عنهما يوما خلافا صعبا، ولم يتعرضا لهزات أسرية غير طبيعية، وكنا نحسدهم على حياة لم تشبها شائبة خصام، ويشهد لهما بذلك الأصحاب والأحباب، وما لبث أن كدر المشيب صفو حيلتهما وقلبت الشيخوخة حلو عيشهما مرا ونكدا، فتفاقمت خلافاتهما ولم يشفع لهما ما أنجبا من البنين والبنات فتراهما في خصام دائم، وقد يفترقان بعد ود فراقا بائنا في آخر العمر، فسبحان مغير الأحوال!
وعلى الرغم من إدراكنا للتحولات النفسية السيكولوجية والبيولوجية التي يمر بها الإنسان في مسيرة حياته من الشباب إلى الكهولة، التي تفضي إلى تغير المزاج، وفقدان القدرة على التمتع بمباهج الدنيا، تبقى قناعات الأنا الجمعي الذي اكتسبه الفرد منا بحكم تربيته وسط مجتمع يقدس الوفاء ويجل التضحية، ويقدر الصحبة والصداقة وهي جديرة بإبقاء الرقيب الداخلي حيا يحول دون استسلام الذات لنزواتها، فلحظات التلاحم الإنساني في وقوف الرفيقين معا أمام تحديات الحياة إبان مسيرتهما الممتدة زمنا، كفيلة بأن تجعل من مشاعر الألفة والصداقة واقيا للملل والرتابة وتمنح القدرة على مواصلة الحب الأسري أو على الأقل التعايش بتفاعل واحترام. لذا ينبغي ترويض نفوسنا بوقت مبكر على نسيان الإساءة التي تستدعي تعكير جاذبية العواطف في خواتيم العمر، وعدم استعادة أوقات الألم ومحاولة نسيانها أو تناسيها، والاعتياد على استذكار كل ما هو جميل، ليكون مشعلا لتداعي ما هو أجمل مستقبلا. وأنا على قناعة في حياة كل زوجين مهما خلت من الانجذاب والإعجاب الداخلي أوقات ولحظات مشرقة تستحق الوقوف أمامها بلمسات وفاء وحنان صوفي ممتع لدواخل النفس.
من القصص التي قرأتها في الوفاء آخر العمر وتأثرت بها كثيراً؛ ووجدت فيها من المضامين ما كان ينبغي لكل كهلين من الأزواج أن يتحليا بها؛ لينعما بحياة أسرية طويلة مريحة وهادئة بعد حياة مليئة بالحب، مفعمة بالإخلاص والوفاء يزيدها الأبناء والأحفاد بهجة وسعادة، حَرية بأن تمسح كل ما من شأنه تعكير صفو الذكريات، ولا تبقي منها إلا ما كان عذبا سلسبيلا، يقول الراوي:
ذات صباح مشحون بالعمل، دخل عجوز يناهز الثمانين من العمر غرفة التمريض لإزالة بعض الغرز له من إبهامه، وذكر لي برجاء سمح انه في عجلة من أمره؛ فلديه موعد لا يريد أن يتأخر عنه، قدمت له كرسياً وتحدثت قليلاً، وأنا أزيل الغرز وأهتم بجرحه. سألته: إذا كان موعده هذا الصباح مهما جدا ويريد الحفاظ عليه؟ أجاب: أذهب إلى دار رعاية المسنين لتناول الإفطار مع زوجتي، فسألته عن سبب دخولها دار الرعاية؟ فأجاب: منذ مدة؛ مصابة بمرض الزهايمر وضعف الذاكرة، انتهيت من التغيير على جرحه، وسألته: وهل ستقلق زوجتك لو تأخرت عن الميعاد قليلاً؟ فأجاب: إنها لم تعد تعرف من أنا، ولا تستطيع التعرف عليّ منذ خمس سنوات مضت، قلت مندهشاً: ومازلت تذهب لتناول الإفطار معها كل صباح على الرغم من أنها لا تعرف من أنت! ابتسم الرجل وهو يضغط على يدي وقال: هي لا تعرف من أنا.. ولكنني أعرف من هي، اضطررت إلى إخفاء دموعي حتى رحيله.. وقلت لنفسي: هذه هي لمسة الوفاء التي أريدها في آخر العمر.
لمسة وفاء يتمناها كل رجل وامرأة
- التفاصيل