لها أون لاين
أحد الأسباب الرئيسية للإخفاق الذي شهدته محاولات النهضة في المجتمعات الإسلامية خلال ما يقارب قرنين من الزمان، منذ الاحتلال الفرنسي لمصر،  أنها كانت دائما مشروعا نخبويا سلطويا، وليس مشروعا شعبويا مجتمعيا، تتبناه القاعدة العريضة من الجماهير.
على الرغم من محاولات السلطة دائما الترويج لمشروعها النهضوي، وتسويقه بين الجماهير بشتى الطرق والوسائل الممكنة، والتي قد تصل للقمع والقهر في بعض الأحيان، لكن دائما ما كانت هناك حالة من الانفصال بين الأمة ونخبتها السلطوية.
لقد كانت محاولات النهوض دائما يقودها الحكام بسلطة الدولة في قاعات المؤتمرات وأقبية القصور، ويبررها لهم المثقفون في الصحف والجرائد ووسائل التلفاز، بعيدا عن الشارع، وفي ظل غياب للجماهير، فكانت النتيجة التي تكررت في غالبية المجتمعات الإسلامية هو الفشل والتأخر والإحباط.
نعم كانت السلطة والنخبة حريصة على التواصل مع الجماهير، لكنها لم تحقق ذلك؛ نظرا لأن خطابها كان مأخوذا من ثقافة غربية أو شرقية، بعيدة عن ثقافة ووعي وإدراك الشعوب الإسلامية، فاستمرت حالة القطيعة هذه.

إن الخطاب الوحيد الذي يمكن أن تتفهمه الشعوب الإسلامية هو خطاب العقيدة والشريعة، لكن للأسف فقد ظلت معظم النخب المسيطرة على الأمر في غالبية بلدان العالم الإسلامي بعيدة عن هذا الخطاب، لذلك استمرت قطيعتها مع الشعوب. وحتى في المرات أو الحالات القليلة النادرة التي استعارت فيها الخطاب الإسلامي للتأثير، فإنها ظلت في قطيعة مع الجماهير، ولم يمكنها إحداث تغيير يذكر؛ لأنه كان خطابا شكليا طقسيا بعيدا عن حقيقة الإسلام، وروح العقيدة، وكانت الشعوب بذكائها وفطرتها تدرك ذلك.

ليست كل النخب بقيت بعيدة عن الجماهير، فقد تمكنت النخب الإسلامية من الالتحام بالجماهير، وتحريك الشارع والتأثير فيه لأن خطابها هو الخطاب الوحيد الذي تفهمه رجل الشارع، واستطاع أن يحركه ويستنهضه، لكن في المقابل لم تكن النخب الإسلامية في مركز السلطة بأدواتها التي يمكنها تحويل الخطط والبرامج إلى مشاريع في الواقع، بل على العكس قدرتها على التأثير في الشارع وامتلاكها لقدرة الحشد، وهو ما فشلت فيه السلطة دائما، جعل النخب هم أيضا في قطيعة، وأحيانا في صراع مع السلطة، ومن ثم استمرت عملية الإخفاق.

إن إحدى السمات الرئيسة لحركات التجديد والإصلاح التي قامت خلال فترات الانحطاط على مدار التاريخ الإسلامي هو حرصها على سد الفجوة بين الحاكم والمحكوم، من خلال دعوة الأول للقيام بوظيفته الأساسية، وهي "حفظ الدين وسياسة الدنيا به" ودعوة الثاني للالتزام بتعاليم الدين، والتي منها طاعة ولاة الأمر، فكانت الدعوة لأن تكون العقيدة والدين هي المنطلق لكل من منهما في حركته وتصوراته وسلوكه، ومن ثم كان هناك تواصل دائم، وحالة من التماهي بين الشعوب وحكامها، ومن ثم تأتي النهضة.

وتجلى التطبيق الأمثل لحالة التماهي هذه في عهد الخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم، ومن جاء بعدهم من المصلحين كعمر بن عبد العزيز، وفترة حكم نور الدين محمود، وصلاح الدين الأيوبي، ومحمد الفاتح، والتاريخ الإسلامي يحفل بعشرات النماذج الأخرى.

النهضة الحقيقية للأمة في عصرنا الحديث لن تتحقق إلا بتضافر جهود جميع أبنائها، واستنهاض هممهم حكاما ومحكومين، وهذا بدوره لن يتحقق إلا إذا انطلق الجميع من منطلق العقيدة الإسلامية؛ لأنها هي المنهج الوحيد الذي يمكن أن يحرك الشعوب ويستثير عزائمهم.

JoomShaper