جاسم الجاسم
نشكو كثيرا هذه الأيام من تطاول بعض الصغار على الكبار ومن عقوق غالبية الأبناء لإبائهم، ومن انتشار الألفاظ البذيئة في شوارعنا العربية وفي أجهزة إعلامنا، بل وفي بعض المؤسسات التربوية والتعليمية.. نشكو أيضا من تقصير غالبية الموظفين في أداء أعمالهم، ومن انتشار الوساطة والمحسوبية في كثير من الأمور خاصة في شغل الوظائف، ومن الرشاوى وفساد الذمم المالية سواء على صعيد الإفراد أو المؤسسات أو الدول.. نشكو من فقدان الضمير لدى المهنيين والحرفيين في التعامل مع زبائنهم، فالشيء الذي يتكلف إصلاحه ريالات بسيطة فإذا بهم يغالون في تكلفة الخدمة لتصل إلى مئات الريالات. والأخطر من ذلك كله الشتات العلمي الذي ينتج مبتكرات تهدد بتدمير العالم أو تشويه الجنس البشري ما لم تحكمه القواعد الأخلاقية والقيم الدينية.
كل ما سبق مبعثه في الأساس انهيار القيم الأخلاقية وتراجع الالتزام بالدين وانشغال الغالبية بزينة الحياة الدنيا. وهذا يلقي على علماء العالم ومفكريه وحكمائه مسؤولية كبيرة في إطلاق مبادرات وعقد مؤتمرات وإجراء أبحاث ودراسات حول كيفية إعادة البشرية إلى رشدها والالتزام بحسن الخلق.
وانطلاقا من هذه المسؤولية نظم مركز دراسات التشريع الإسلامي والأخلاق، عضو كلية الدراسات الإسلامية بمؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع، الأسبوع الماضي مؤتمره السنوي الدولي الثاني تحت عنوان (الأخلاق في عالم متغير: رؤى معاصرة) في جامعة جورج تاون الأمريكية بمشاركة أكثر من 25 متحدثا رئيسا من 15 دولة تناولوا بالبحث على مدى يومين 4 قضايا ملحة وهي إشكاليات الإعلام والبيئة وعلم النفس وقضايا الرجل والمرأة من منظور إسلامي معاصر. وقد حدد الدكتور محمد مصطفى غالي، أستاذ الإسلام والأخلاق الطبية في مركز دراسات التشريع الإسلامي والمنسق العام أهداف المؤتمر قائلا :"أهم ما يرمي إليه المركز من تنظيمه المؤتمر هو إثارة الوعي العام لدى الناس والمفكرين والخبراء والأكاديميين بأن مسألة الأخلاق لم تعد كمالية أو بحثية وإنما قضية مصيرية بالإضافة إلى التعرف على الرؤى النابعة من الفكر الإسلامي حول هذا الموضوع، كما أن المؤتمر يهدف من بين أمور أخرى إلى جمع المشاركين على طاولة حوار واحدة للوصول إلى خطة تفعيل للأولويات في مجالات النقاش الخاصة بمحاور المؤتمر الأربعة".
وقد أحسن السيد شوقي الأزهر نائب مدير المركز عندما أوضح في كلمة الافتتاح المخاطر التي تنتظر العالم باستمرار بعده عن الأخلاق بقوله:"إن التطور الكبير الذي يشهده العالم اليوم حدث خارج أطر الأخلاق في جوانب كثيرة.. إن التطور والرقي في حياة الإنسان والذي رفع من عيشه المادي رافقه تقلص في جوانب أخلاقية عديدة، مما يهدد توازن الحياة برمتها ويجعل من الأخلاق مسألة بقاء أو فناء للبشرية".
وهذا التحرك القطري الحميد ينطلق أيضا من قيم ديننا الإسلامي الحنيف الذي أعطى مرتبة عالية لحسن الخلق. فقد مدح الله سبحانه وتعالى رسوله محمد صلى الله عليه وسلم بحُسن خلقه فقال في سورة القلم:(وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ). وقد جعل رسولنا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم التفاوت في الإيمان بين المسلمين هو حُسن الخلق، حتى إن أحسنهم أخلاقًا هو أكملهم إيمانًا، روى البزار عن أنس بن مالك أن النبي قال:"إِنَّ أَكْمَلَ الْـمُؤْمِنِينَ إِيمَانًا أَحْسَنُهُمْ خُلُقًا، وَإِنَّ حُسْنَ الْـخُلُقِ لَيَبْلُغُ دَرَجَةَ الصَّوْمِ وَالصَّلاةِ". كما كان أحبَّ الناس إلى النبيِّ وأقربهم منه مجلسًا يوم القيامة أحسنُهم خُلُقًا، وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال :"إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَىَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّى مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أحاسنكم أَخْلاَقًا".
واتفق تماما مع رؤية الدكتور راغب السرجان الذي يقول فيها :"حسن الخلق هو المعنى الذي بحثت عنه البشرية كثيرا، وتطلعت إليه منذ ظهور الفلاسفة في القديم، وتخيلوا أن يسود هذا المعنى، فكتبوا مثلاً عن (المدينَة الفاضلة)، ولما بدا لهم أنها حلم مستحيل، اكتفى العالم الآن أن يسمِي هذا المعنى بـ (الإنسانية)، ولفظ (الإنسانية) في المعنى الغربي يقترب في القاموس الإسلامي من معنى (الرحمة)، والرحمة كلها ليست إلا جزءًا من حسن الخُلق في الإسلام؛ لأنه أعم من ذلك؛ فمنه الصبر واحتمال الأذى ومساندة الحق،والأمانة والصدق".
وفي الختام ندعو بالرحمة لأمير الشعراء الراحل أحمد شوقي الذي ربط منذ عقود طويلة بقاء الأمم بالتزامها بالقيم الأخلاقية قائلا:
إنما الأممُ الأخلاقُ ما بقيتْ فإنْ همُ ذهبَتْ أخلاقُهُم ذهبُوا
إنما الأمم الأخـلاق مـا بقيـت
- التفاصيل