حسين سويلم
ما خلق الله الليل والنهار إلا لحكمة يعلمها؛ فجعل النهار للعمل والكد والسعي وراء الرزق وطلب العيش، والليل للراحة والسكينة؛ لتجديد النشاط ليوم جديد وهكذا دواليك، قال تعالى: "وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا"سورة الفرقاق30. وقال تعالى: "وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا، وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا"سورة النبأ 10ـ11.
وقال تعالى: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ* قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُون* وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ). {القصص ـــ الآيات: 71 ـــ 73}.
فإذا خالف الإنسان هذا الناموس الرباني ضل وشقي، ولكن الحاجة دفعت كثيرا من الناس إلى البحث عن أكثر من عمل "دوامين؛ حتى يلبي متطلبات الحياة المتسارعة والمتنوعة التي لا تنتهي، فهل تستحق الحاجة التي تدفع الإنسان كل هذا العناء؟!
كان الأجداد والآباء يعيشون حياة بسيطة دون تكلف، وطبيعة الحياة حولهم ساعدتهم على ذلك، فهم لم يعبؤوا بما حولهم، وإنما يكيفون حياتهم مع ما يمتلكون من مال أو أغراض وحاجيات ـ الأمراض تكاد لا توجد، والطبيعة نظيفة خالية من الملوثات والإزعاج والضجيج، لا يحملون لغد همًّا.. هكذا كانت حياتهم.
أما الآن فعلى النقيض تماما من ذلك، نجد الشاب قبل الكبير يحمل الهم، ويحسب لكل خطوة يخطوها ألف حساب.. لماذا؟ في الماضي البطالة كانت معدومة، والناس بينهم تكافل وتضامن يساند بعضهم بعضا دون إشارة من أحد.. يفعلون ما يجب دون أن يملى عليهم ذلك.
في أيامنا هذه تعددت مطالب الحياة وتعقدت، ورغم رغد العيش الذي يعيش فيه بعض الناس إلا أن السواد الأعظم يعيش ضيقا ونكدا وهما لا منتهى له. وكلما حلّ مشكلة وقفت له مشكلة أخرى بالمرصاد، وإذا وفر حاجة من حاجات بيته أو أبنائه برزت له حاجات أخرى، ويظل على هذه الحال إلى أن يموت.. فما الحل حتى نخرج من هذه المشكلات؟ ونعبر النكد والهم والغم لنصل إلى جزيرة السعادة والهناء والراحة والطمأنينة؟
علينا أولا كأفراد أن نعيد ترتيب أولوياتنا، ونبدأ بالأهم ثم المهم، وأن نوازن بين ما لدينا من طاقة أو مال، وبين ما نطلبه ونسعى جاهدين لتحقيقه، الإنسان يسعى للعمل ليل نهار مخالفا فطرة الله التي فطر الناس عليها، فالعمل بالنهار والليل لراحة الأبدان والسكينة، لا لأعمل فيه دواما ثانيا مهما دفعتني متطلبات الحياة المتعددة؛ فإن كنت أعمل أكثر من عمل، فعليّ أن أنهي ذلك في أقرب وقت وأعود إلى الفطرة ـ العمل ساعات معدودة ـ لا تزيد على ثلث اليوم (ثماني ساعات) والثلثان الباقيان للراحة والاستجمام والترويح عن النفس بما أحل الله.
وثانيا: على الدولة أن تقوم بواجبها بتوفير فرص العمل الملائمة لكل الأفراد، كلٌّ حسب تعليمه وتأهيله، ويكون العمل مناسبا للعامل ويحفظ له الراتب الذي يجنيه عيشا كريما لا يضطره للبحث عن عمل آخر ضاغطا نفسه وأهله أو مَن يعول، كأنه يعيش في ليل دامس لا نهار بعده. هذا من جهة، ومن جهة أخرى تراقب الدولة الأسعار مراقبة حازمة، وتأخذ على أيدي المتلاعبين أو المغالين حتى يستطيع الإنسان مهما كان أن يتحصل براتبه على ما يريد من المأكل والمشرب والملبس... إلخ، وكل مسؤول يؤدي ما عليه، وليكن رفيقا بالناس من أصحاب الحاجات، ومن لديهم مشكلات أو مصالح يريدون قضاءها، وأن يهش ويبش في وجوههم، فقد ورد عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال: "اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به"رواه مسلم، فما أجمل أن تصيب دعوة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالرفق المسؤول.
وثانيا: يستطيع أن يوزع راتبه كي يستفيد منه في شراء الكماليات، أو مواجهة الضوائق، أو ما يأتي فجأة ولا يحسب له الإنسان حسابا، فتسير حياته بوتيرة هادئة، فلا عواصف ولا مشكلات تكدر عيشه، فتستقر سفينته بعيدا عن الأمواج الهائجة التي تنقلب معها حياته رأسا على عقب.
وللإعلام ومؤسسات المجتمع المدني الأخرى والمساجد والدعاة دور في نشر الثقافة الإسلامية الصحيحة بين الناس ـــ كل الناس ـــ العامل وصاحب العمل، والمسؤول مهما كانت مسؤوليته صغيرة أم كبيرة، الفقير والغني، وللموسرين في المجتمع دور لا ينكر بإنفاقهم على المعوزين والمحتاجين وإخراج زكواتهم وصدقاتهم دون تأخير أو تقصير استجابة لأمر ربهم، فيبارك الله لهم فيما بقي من أموالهم ويقيهم حسد الحاسدين وكيد الماكرين، قال تعالى: (ليُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ ۖ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ ۚ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا ۚ سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا). {سورة الطلاق ـ آية 7}.
فإذا علم كل فرد ما له وما عليه، وسرنا على نهج الرسول الكريم ـ صلى الله عليه وسلم ـ وصحابته الكرام، فلن نجد محتاجا أو سائلا في المجتمع، الغني يؤدي زكاة ماله ويعطيها مَن يستحقونها (مصارف الزكاة)، والفقير لا يحقد على الغني أو يحسده، إنما يغبطه ويدعو له بالنماء والبركة في ماله، فيعم المجتمع السلام والمودة والمحبة، وتذهب عنه رياح الحسد والضغينة وتنتفي الجريمة؛ فالكل آمن في هذا المجتمع. فما أحرانا أن نصل إلى ذلك قريبا. فقط على كل فرد أن يبدأ بنفسه ويجعل من نفسه قدوة حسنة لغيره، فإن توافرت لدينا النيات الصادقة ووافقتها الأعمال المخلصة الدؤوبة تحقق لنا ما نصبو إليه، "وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيرًا"سورة النساء 30.
ومن المهم أن يبدأ الإنسان سريعا ولا يسوّف، ويتكاتف الجميع من أجل بناء مجتمع قوي الأركان، ثابت الدعائم، وثيق العرى، أفراده بينهم مودة ورحمة وسلام.
أدعو الله جلت قدرته أن يحقق للمسلمين ذلك، وأن يعيشوا آمنين في أوطانهم، ويسعدوا في دنياهم وأخراهم، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
أما آن للَّيل أن ينجلي؟!
- التفاصيل