أحمد دحمان
التقيت مؤخرا برجل كبير في السن، يزيد عمره على التسعين عاما، فطلبت منه أن يذكر لي عصارة تجربته في الحياة فقال لي: «يا ولدي: والله إني لأعرف من الأموات أكثر من الأحياء، ووجدت أن واحدا يعدل ألفا والألف لا يساوون واحدا». فتذكرت قول الرسول -صلى الله عليه وسلم- «الناس كإبل مائة لا تكاد تجد فيها راحلة». فالناس كثيرون ولكن النافع منهم لمجتمعه ووطنه ودينه وأمته قليل جداً، حيث أصبح الكثير منهم يعيش على هامش الحياة بل زائدا عنها. يقول مصطفى صادق الرافعي: «إن لم تزد على الحياة شيئاً كنت أنت زائداً عليها».
البحث في معادن الناس وأسرار النفوس وسبر أغوارها لم يأخذ حقه من البحث والدراسة والتأمل، وإن وجد فتغلب عليه أجواء التنافس وعدم الإنصافهذه المعادن موجودة في كل الأماكن والأجناس، وعابرة للقبليات والجنسيات والأعراق والأديان والمذاهب، وهي أصيلة ومتجذرة ويصعب تغييرها. وقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «تجدون الناس معادن، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا». أي تجدون الناس أصولا مختلفة مثل المعادن التي تستقر في الأرض، منها النفيس ومنها غير ذلك.
عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- كان مهتما بمعرفة معادن الرجال من خلال عدة مواقف، وقد طلب عمر ذات مرة ممن حوله أن يتمنوا، فتمنى أحدهم أن تكون الدار التي هم فيها مملوءة ذهباً؛ لينفقه في سبيل الله، وتمنى الآخر أن لو كان له ملؤها لؤلؤا أو زبرجد أو جوهرا ليتصدق به، أما عمر فقال: «أتمنى لو أنها مملوءة رجالا مثل أبي عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل، وسالم مولى أبي حذيفة، وحذيفة بن اليمان». كذلك حدد عمر ضوابط الحكم على معادن الرجال حينما رد على أحد الأشخاص الذي أدعى أنه يعرف أحدهم بقوله: «هل سافرت معه، هل تعاملت معه بالدينار والدرهم».
يقول الرافعي عن معادن الرجال: «وجه الشبه أن اختلاف الناس في الغرائز والطبائع كاختلاف المعادن في الجواهر، وأن رسوخ الاختلاف في النفوس كرسوخ عروق المعادن فيها، وأن المعادن كما أن منه ما لا تتغير صفته فكذا صفة الشرف لا تتغير في ذاتها، بل من كان شريفاً في الجاهلية فهو بالنسبة إلى أهل الجاهلية رأس، فإن أسلم استمر شرفه فكان أشرف من أسلم من الشرفاء في الجاهلية».
وقد أورد الإمام الشافعي قصة عن معادن الرجال الذي كان متبحرا ومتعمقا فيها من خلال اطلاعه على كتب وتجارب متعددة فيها. وفي احدى أسفاره وجد في طريقه رجلا أكرمه وقدم له الطعام والفراش والمأوى على الرغم من اقتناع الشافعي بأن الرجل لا تبدو عليه امارات المعدن الطيب فقال الشافعي في نفسه: «إن صح كرم هذا الرجل فسأتخلى عن كل ما عرفته عن معادن الرجال». لكن عجبه قد زال بعد أن طالبه الرجل بدفع مبلغ من المال مقابل الطعام والشراب والفراش والمأوى الذي قدمه له.
البحث في معادن الناس وأسرار النفوس وسبر أغوارها لم يأخذ حقه من البحث والدراسة والتأمل، وإن وجد فيغلب عليه أجواء التنافس وعدم الإنصاف وتقديم المصالح الآنية والمواقف الشخصية على الحقيقة والإنصاف، مما يحتم ضرورة إعطائه حقه من الاهتمام واستخراج المعادن والنماذج البشرية النادرة والنفيسة، وتوثيق ونقل تجاربها للاستفادة منها من قبل الآخرين عبر الأزمان.
معادن يجدر البحث عنها
- التفاصيل