لها أون لاين
الأمم كالأفراد تنتابها حالات من الصحة والمرض والوفاة، والأمم حين تمرض تحتاج إلى من يشخص أسباب المرض، ويحدد أعراضه، ويصف الدواء، ووفقا للسنن والقوانين التي تحكم حركة التاريخ، فالأسباب المرضية دائما ما تكون عقدية وفكرية أساسها تغير ما في الأنفس من معتقدات وقيم وثقافات. أما الأعراض فتكون سياسية واقتصادية واجتماعية والخلط بين الأسباب والأعراض يتسبب في فشل العلاج، ويصاب جسد الأمة بمزيد من المضاعفات المرضية التي قد تؤدي في النهاية إلى وفاة الأمة، قال تعالى :{وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ} [الأعراف: 34].
وإذا أرادت الأمة التعافي من أمراضها والانطلاق من جديد، لابد لها من تبني عدد من الأفكار الملهمة، القادرة على إعادة صياغة شخصية الفرد من جديد، وغرس معاني الفاعلية والإيجابية والمبادرة فيه، لكن هذه الأفكار لكي تكون ملهمة، لابد من أن تكون نابعة من عقيدة الأمة وقيمها وثقافتها وتاريخها وجغرافيتها.
لقد فشلت أمتنا على مدار قرن من الزمان في جميع تجارب النهوض والإقلاع الحضاري؛ نظرا لفقدان أمتنا للأفكار الدافعة، إذ إننا من خلال نخبنا الثقافية والسياسية الذين تعلموا في الجامعات الغربية حاولنا استلهام أفكار منبتة عن قيمنا وعقيدتنا ومجتمعاتنا، فبدلا من أن تساهم في عملية البعث الحضاري كانت أحد الأسباب الرئيسية في تراكم الأمراض على الأمة، وتسببت في مزيد من السقوط .
لقد كان الإسلام وحده وعلى مدار قرون عديدة هو العقيدة الوحيدة التي تمكنت من توحيد شعوب الأمة، وتوجيه جهود أفرادها في ذلك العمل المنسق الرائع؛ ألا وهو الحضارة الإسلاميَّة التي استمرَّت حتى إسقاط الخلافة العثمانية، وحينما تراجعت العقيدة في النفوس، ابتليت أمتنا بالأمراض والأوبئة التي توشك أن ترديها. إن أي عملية انبعاث حضاري لا بد وأن تنطلق وتبدأ من العقيدة الإسلامية، فهي وحدها القادرة على خلق الدافعية الحضارية في نفوس الشعوب، وهي وحدها بمشيئة الله القادرة على جعل مجتمعاتنا تنبعث وتعود إلى مسرح التاريخ من جديد.
أمتنا... بين الصحة والمرض
- التفاصيل