د.ديمة طهبوب
سر المصطفى بما علمه من اجتهاد رفيقه الذي أوصله إلى الجنة فناداه حتى يسمع منه ويُسمع المسلمين عنه فقال له “يا بلال إني سمعت صوت قدميك في الجنة فماذا تفعل؟ فرد بلال: والله يا رسول الله ما أن توضأت حتى صليت ركعتين لله وما إن انتقض الوضوء حتى توضأت”
لم يعب عليه رسول الله صل الله عليه وسلم أنه كان يصلي ركعتين بعد الضوء ويلزمهما دون أن يخير أحدا أو حتى يستشير رسول الله وهو المعلم الأول بل أقره عليها وأقر بذلك انتقالها لنا فيما نعرفه الآن بركعتي سنة الوضوء، وأقر بذلك فتح مجال القربات الى الله واجتهاد العباد فيها ما دامت لا تناقض العقيدة، ومثله ذلك الصحابي الذي كان يؤم الناس بسورة الإخلاص في كل ركعة فشكوه الى الرسول فسأله عن ذلك فقال إني أحبها فقال له رسول الله: حبك إياها أدخلك الجنة، وفتح بذلك المجال واسعا لاختيار القلب الشخصي والعبادات القلبية ما دام القصد منها طاعة الله ومحبته، بل زاد على ذلك وقال لنا إن البر ما اطمأنت اليه نفوسنا وأن استفتاء القلب في الخير واجب حتى مع وجود الفتاوى “ولو أفتاك الناس وأفتوك”، وليس معنى ذلك أن نتعدى على العلماء الشرعيين ولكنه حض أيضا أن يتعلم المسلم من دينه المعلوم بالضرورة وأصول الحلال والحرام ثم ينطلق بعد ذلك الى الميدان الذي لا يحده شيء وقال فيه سبحانه “أحل لكم الطيبات” فكان الاستثناء محددا وضيقا ومعلوما، أما الحلال فعنانه السماء والطيبات ليست طعاما وشرابا فقط بل هي كل طيب مطلق.
بحاجة نحن الى استذكار هذه الأمثلة في الوقت الذي يضيق فيه بعض المفتين على الناس دينهم ودنياهم بحجة الابتداع والضلالة حتى أحالوا كل شيء الى بدعة وشبهة و ما بقي للأواخر من شيء ولا سنة حسنة يضيفونها الى ميزان تركة الأمة ليتصل نهج السابقين باللاحقين والتابعين بتابعيهم الى يوم الدين، يضيقون على الناس مع أن باب الاجتهاد مفتوح، حتى في الزيادة على العبادة وطريقة أدائها، ومثال ذلك الاجتماع على صلاة التراويح في عهد عمر، وجعل الله للدين خاصية التفاعلية والتجدد المستمر ليصبح منهاج حياة يتداخل بانسيابية وتمازج مع كل دقائق الحياة ليُسعد الناس وينهض بهم ويسير معهم في كل الدروب دون إحساسهم بالتناقض أو النقص، وأثنى رسول الله على المجددين وقال إن الله يبعثهم للأمة على رأس كل قرن ليجددوا للناس أمور دينهم.
ولعل موقف بداية السنة الهجرية أو الميلادية على الأخص من الأوقات التي أصبح الملتزمون ينتبهون إليها مؤخرا فيذكرون الناس بالاستغفار والتوبة باعتبارها نهاية مرحلة وقتية من العمر والاستبشار والدعاء وطلب الخير فيما سيأتي،  والناظر في المصلحة يرى الخير من كل ذلك ويرى أنها لا تخل بالإيمان بل تزيده، ولو كانت بأوبة وتوبة بمقدار يوم أو ساعة، فقد يكون لها ما بعدها، فقلب ذاق حلاوة دعوة او دمعة أو ركعة قد يعود الى المزيد، ثم نجد من يطلعون علينا بالتحريم والأحكام القاسية حتى انه لتضيق أنفسنا ويتحول ما كان من عبادة محبة وإقبال الى شعور بالذنب والتقصير ونقول لمثل هؤلاء: لو كان رسول الله بين ظهرانينا ورآنا نعبد الله في الوقت الذي يتفنن فيه الناس حول العالم بالعصيان في وقت محدد وساعة محددة ودقيقة محددة ينتظرون عقارب الساعة ليسكرون ويزنون ويكفرون ونحن ننتظر ذات الدقائق لنقول لله يا رب نحن معك نصبر أنفسنا مع الذين يدعونك بالغداة والعشي يريدون وجهك، نحن لسنا كهؤلاء بل نبرأ منك مما يفعلون، ونستبشر بك وندعوك أن تجعل بداياتنا وخواتيمنا وصلاتنا ونسكنا ومحيانا ومماتنا خالصة لوجهك، أكان ليبسم في وجهنا كما ابتسم لبلال أم يقول لنا سحقا فقد غيرتم بعدي وهو الذي علمنا أن العبادة أيام الهرج والفتنة كالهجرة معه؟! إن الإسلام ليس دين تقليد فقط، حتى وان كان في الخير، بل هو دين يحترم العقل ويجل الإنسان ودوره وفكره، والله كما وصف نفسه في الحديث أنه الدهر فنحن نحب الدهر والأيام ونحرص عليها لأنها تقربنا إليه سبحانه.
نعم إن ثقافة الأيام المؤقتة ليست محمودة فالأصل في العبادة والإقبال أن يكون ديدن النفس المؤمنة ولكن السيرة تعلمنا أيضا أن بعض المواقف التي ينتهك فيها الإسلام صراحة يجب الرد عليها مباشرة وبذات الكيفية فيوم أحد يوم صرخ أبو سفيان: اعل هبل يوم بيوم العزى لنا ولا عزى لكم،  لم ينتظر رسول الله ولم يقل الوقت لا يسمح والمسلمون غائصون في جراحاتهم كان لا بد من الرد المباشر فقال للصحابة أجيبوهم فقال عمر: الله أعلى وأجل لسنا سواء قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار. فهل يمكن القياس من ذلك الموقف بوجوب إظهار عزة الإسلام في الوقت الذي يُنتهك فيه الدين والشرع؟ بوجوب إظهار أننا لسنا سواء؟ وهل يحق لنا كأفراد أن يكون لنا فهمنا وتفاعلنا مع النصوص بالذات أن الإسلام ليس فيه رجال دين يحتكرون الفهم والتبليغ؟!
في هذه الأيام العصيبة التي تستهدف من يقول لا اله إلا الله مدعوون نحن للأخذ بيد كل من يريد العودة الى الله ولو بالقليل، فالمسلم داعية على باب الجنة وليس بقاض على باب النار.
كان رسول الله يحب البواكير ويستبشر بها ويخرج لاستقبال أول المطر، ونحن على سنته نستبشر وندعو في بداياتنا بالرضى والتوفيق والنصر ورفع الغمة، وفي ختامنا بالمغفرة والقبول وفي ما بينهما بالرشد والسداد والإخلاص.
أيها المفتون لا تشتغلوا بالمؤمنين الذين يدورون مع الحلال أو المباح ومع الإسلام حيث دار، لا تأخذوا الدين من أطرافه وذيله لتضيقوا على الناس فهناك دماء تسفك وأعراض تنتهك ونساء تسبى ومسلمون يموتون جوعا وبلاد تحتل هذه لا خلاف عليها أنها من الحرام الواضح الذي يغضب رب الأرض والسماء وينزل سخطه على المفرطين الذين يعلمون العلم والحق ويسكتون عليه في وجه السلطان الجائر ليلاحقوا من صلى ودعا وتاب الى الله في بداية السنة.

JoomShaper