د. أحمد المحمدي

ذكر القرآن طبائع الناس وبين أن من الناس من يرى الحق ويقيمه، ومنهم من يراه ويحاربه، ومنهم من يراه ويعرفه بذاته ولكنه يؤثر سلامته على سلامة دينه وعقيدته، يقول الله تعالى:

(وَقَالُوا إِن نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آَمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ)..

إن الإيمان ليس كلمة تقال إنما هو حقيقة ذات تكاليف ولابد أن ينهض إليها أهلها، يتحملون تبعاتها، ويصحون من أجلها، وينفقون الغالي والنفيس على إقامتها خالصة واضحة كما يريدها الله جل شأنه.

لكن أقواما من الناس لا يقدرون على حمل تكاليف الدعوة ولا النهوض بتبعاتها فيختلقون لذلك بعض المعاذير محاولين بذلك تجميل حالهم والاعتذار لها، وهذه بعض معاذير القوم ومن تبعهم ممن يرى الحق حقا ولا يتبعه، قالها من قديم فريق من المشركين ممن غلبه الحياء أن يكابر ويجاهر بالتكذيب، وغلبه إلف ما هو عليه من حال الكفر على الاعتراف بالحق، فاعتذروا بهذه المعذرة.

روي عن ابن عباس أن الحارث بن عثمان بن نوفل بن عبد مناف وناساً من قريش جاؤوا النبي صلى الله عليه وسلم فقال الحارث «إنا لنعلم أن قولك حق ولكنا نخاف إن اتبعنا الهدى معك ونؤمن بك أن يتخطفنا العرب من أرضنا ولا طاقة لنا بهم وإنما نحن أكلة رأس» أي أن جمعنا يشبعه الرأس الواحد من الإبل وهذه الكلمة كناية عن القلة.

فهؤلاء اعترفوا في ظاهر الأمر بأن النبي صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الهدى لكنهم في الأثر ليسوا أفضل حالا ممن كفر وعاند.

والتخطف: مبالغة في الخطف، وهو انتزاع الشيء بسرعة، والمراد: يأسرنا الأعداء معهم إلى ديارهم، فرد الله عليهم بأن قريشاً مع قلتهم عدّاً وعدة أتاح الله لهم بلداً هو حرم آمن يكونون فيه آمنين من العدو على كثرة قبائل العرب واشتغالهم بالغارة على جيرتهم، وجبى إليهم ثمرات كثيرة قروناً طويلة، فلو اعتبروا لعلموا أن لهم منعة ربانية وأن الذي أمنهم في القرون الخالية يؤمنهم إن استجابوا لله ورسوله.

إن أشد الناس غفلة الذي ينتكس عن أداء حقوق الله عز وجل بمثل هذه الدعاوى السمجة، التي إن دلت فإنما تدل على ضعف واضح في عقيدة المرء ودينه.

أما من قام بحقِّ الله — سبحانه — واستفرغ أوقاته في عبادة الله ولم يخش في الله لومة لائم، مُكِّنَ له في الأرض؛ والحقُّ — سبحانه — متولٍ أيامَه وأعماله يُحَقِّقُ ظنَّه، ولا يُضَيِّعُ حقّه.

إن من يرتكن إلى غير ربه يسلمه الله إليه، وإذا أسلمه الله إلى غيره هلك.

JoomShaper