عبير تميم العدناني
لعل من أعظم القيم الدينية والدنيوية التي كانت تبنى عليها المجتمعات هي الوفاء بالعهود، والوفاء لمن أجزل لك العطاء، من أهل وأقرباء وأحباء وأزواج وغير ذلك، الوفاء تلك القيمة التي كانت سبباً لمتانة العلاقات المجتمعية وسبباً لبقاء الأواصر قوية على المدى البعيد وعلى طول السنوات وبالرغم من تقلب ظروف الحياة.
فالإنسان الوفي على الأغلب يكون هو الذي نشأ وكبر على تلك الفضيلة وتعلم منذ صغره كيف يكون الوفاء بكل معانيه مع من حوله، تعلم من والده كيف يحفظ تعب والدته واحتمالها من أجلهم، فيرد لها الصبر والاحتمال والمشقة بكل حب وتقدير وصون للعهد معها حتى يفرقهما الموت، وتعلم من والدته كيف تحفظ عهد أبيه وتصون بيته وأبناءه وكيف لا تفعل وقد اختارها من بين نساء الأرض لتحمل اسمه وتنجب أطفاله وتشاركه تفاصيل الحياة بحلوها ومرها، فما يكون منها إلا أن تفي له وبدوره يكون الوفاء مقابل الوفاء. وهكذا يرى أقاربه وعائلته كل منهم يمثل صورة متلألئة لتلك الفضيلة التي يفتقدها الكثيرون.
لعل الكثير من الناس أصبح يفتقد تلك الفضيلة التي حث عليها ديننا القويم، وتناقلناها من أجدادنا الأوفياء، وذلك قد يرجع لاختلاف الزمن الذي بات شماعة نعلق عليه أخطاءنا وتقصيرنا، أو لعل تسارع نمط الحياة بما فيها من تلقي المعلومات والانفتاح واختلاط العادات والقيم والمبادئ وغياب تلك الصور المشرقة التي كانت بمثابة منهج قويم يسهل اتباعه، لعلها تكون جزءا من تواري الوفاء في زمن العجائب الذي نحياه.
فكم أصبحنا نسمع ونرى من القصص التي تبكي العيون قسوة أحداثها من انعدام الوفاء ومسلسلات الخيانة الحية التي تحيط بنا، حتى بتنا نصلب الوفاء على الجدران سائلين إياه يا ترى لماذا تواريت وتركتنا نتخبط في ليل نقض العهود؟ ولماذا بعد أن كنت ملكاً تتربع على عرش القلوب وأصحابها أصبحت في زماننا هذا غريباً لا يعرفك إلا القليل القليل؟ أهو الإنسان الذي جنى عليك أم الزمان؟
وهل يا ترى ستعود يوما ماً لتزين دنيا البشر كما كنت من قبل أم أنك أصبحت في عداد المنقرضين؟

JoomShaper