د. أمل الطعيمي
((لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا)) قول ليس كأي قول؛ قول من لدن الخبير اللطيف، يفتح به على خلقه أبواب الأمل العراض لقادم أجمل، أياً كان ذلك القادم لحظة أو سنة، وأياً كانت مرارة ما سبقها أو صعوبته، وما انتاب المرء فيه من خوف وترقب.
هذه الآية خير معين على الخروج من أزمات النفس وأزمات الأحوال؛ لأنها حين تشرع بوابات الأمل تفسح للحياة أن تستمر في القلب والعقل، فيعمد المرء إلى مزاولة حياته الطبيعية، كما يجب أن تكون الحياة
آية تعلمنا أن وراء كل محنة منحة، قد نستشعرها في حياتنا وربما لا. غير أننا يجب أن نكتفي بها كونها اختيارا ربانيا لنا، سنجني خيره رحمة من رب العالمين، آجلاً أو عاجلاً بحول من الله وقوته.
إن هذا الإيجاز الذي بلغ من البلاغة أقصاها، تنحسر أمامه كل الدروس البشرية، وتتوارى أمام عظمته وعظيم أثره، شريطة أن يعي من يتمثل بها قيمة هذا العمق في المعنى، وما خلفه من معان وأحداث.
هذه الآية خير معين على الخروج من أزمات النفس وأزمات الأحوال، لأنها حين تشرع بوابات الأمل تفسح للحياة أن تستمر في القلب والعقل، فيعمد المرء إلى مزاولة حياته الطبيعية، كما يجب أن تكون الحياة التي تتحقق فيها النجاحات بعد العمل والبناء، فلا تتوقف في نظر صاحبها، حين يظن أحدنا أن المصائب التي تحدث له تمنع عنه القدرة على المواصلة، رغم ثبات علمه بأن الحياة مستمرة؛ فهي تسير به ومعه وله، ولا تنتهي إلا بأجل معلوم، ولكنه مجهول بالنسبة له، ولهذا ليس له إلا أن يصاحبها أحسن الصحبة، لأن الله يحدث بعد كل حدث أمراً ما، وهذه دعوة لا مثيل لها للتفاؤل والظن الحسن بأحسن الخالقين. إن الذي يحزن لموت قريب كان لا يتخيل الحياة من دونه، عليه أن يتلمس حكمة ما، من موت ذلك القريب في زمن ما وأرض ما وبشكل ما. عليه أن يوقن بأن في ذلك خيراً كثيرا مهما صعب عليه الأمر واشتد الظلم. فكيف هو الحال مع غير ذلك من الأحداث، التي يمر بها الناس في حياتهم فرادى وجماعات.
إن تلك الآية تشبة الفسيلة، التي أوصانا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أن نغرسها لو كانت في يدنا، عندما تقوم الساعة. إن العمل على تربية النفس على انتظار ما يختاره لنا الله، يتطلب قدراً كبيراً من المرونة والمقاومة، إن لم يزرعها المرء في نفسه وبيده وعقله وقلبه، لن يفلح فيها الزراع غيره، مهما أوتوا من علم وحكمة وقدرة على التوجيه والتأثير.
وبعد دور المقاومة يأتي دور العمل، دور استئناف الحياة من جديد. كل هذه المعاني تتكرر في عقلي حين أؤدي واجب العزاء، فتمر بي لحظة عجيبة عشتها بعد وفاة والدي ـ رحمه الله ـ منذ سنوات، وكنت قرب سريره في تلك اللحظة. لحظة تخيلت فيها أن العالم انتهى وتوقف كل شيء، ولكن الثواني القليلة التي عشتها بعد وفاته، كانت تقول لي: إن الحياة مستمرة فخوضيها كما ترين، بيأس وقنوط أو بأمل وتفاؤل، أذكر تماماً لحظة خروجي من المستشفى ورؤيتي لأشعة الشمس القوية، التي شعرت وكأنها تكلمني بدرس رباني، أتمناه لأهل كل متوفى بعد كل عزاء. فلا يدرون لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً. عليهم أن يوقنوا بأنه الخير.
تويتر@amalaltoaimi
ماذا تتوقع من ربك؟
- التفاصيل