علي مختار محفوظ
تمر بنا ذكرى عاشوراء، وبعض البلاد أصيبت بالإحباط، وبعض الشعوب كاد اليأس أن يتسرب لنفوسها من شدة المؤامرات التي تحاك ضد وصول الإسلاميين للحكم، وكثرة الخطط لبقاء الحكام الظالمين في بعض البلاد، أو لكثرة الصراعات الداخلية، وقوة الخطط التآمرية الخارجية، والتي مزقت جسد الأمة، وقضت على وحدتها، ومحت عزتها، وشوهت تاريخها، وأضاعت كرامتها، وباتت عاجزة عن إعادة مجدها! ومازال المسلمون في حالة ضعف وهوان، وغالبية الدول تمزقها الصراعات، والأمل لا يزال بعيدا في الإصلاح والنهضة والتخلص من الفساد.
وفي كل بلد من بلاد الإسلام نجد أن المسلمين منشغلون بقضية كبرى، أو مصيبة عظمى، أو منهمكون بمؤامرات مستمرة أشعلها المحتل قبل رحيله؛ ليظل المسلمون غافلين عن العودة لقيادة البشرية.
عاشوراء و عودة الأمل للمستضعفين وتأتي ذكرى عاشوراء العظيمة، لتعطينا الأمل في قرب تحقق النصر لمن يسأل: متى نصر الله، وتعيد الأمل للنفوس المؤمنة بأن النصر قريب، وترسخ اليقين في قلوبنا أن النصر من عند الله، وأن الأمل موجود في قرب عودة المسلمين لسابق عهدهم، واسترداد حقوقهم، مع الاقتراب والاقتناع بضرورة تحقق الوحدة بينهم والاعتصام بحبل الله تعالى.ومن أحداث عاشوراء نتأكد أن النصر للمؤمنين الصادقين، فإذا أراد الله تعالى أن ينجي المستضعفين من بطش الظالمين؛ هيأ لهم أسباب النصر الحقيقية. فيوم عاشوراء يذكرنا أن الله مع المؤمنين، وأنه تعالى ينصر رسله، وينزل تأييده لعباده المؤمنين إذا استحقوا النصر، وينجي عباده الموحدين من بطش الطغاة والمتكبرين.
ففي العاشر من المحرم وقع الحدث العظيم، و تحقق النصر المبين، و أظهر الله فيه الحق على الباطل، حيث نجى الله تعالى فيه موسى عليه السلام وقومه، وأغرق فرعون الطاغية المتكبر.
وهذه الذكرى العظيمة تربطنا بقصة الطاغية فرعون، و معجزة ولادة موسى عليه السلام، وتثبيت أم موسى، والتي تثبت أحداثها أنه لا راد لأمر الله تعالى، فأمره إذا أراد شيئا فإنما يقول له كن فيكون، فكانت الظروف قاسية والظلم متغطرس، والتكبر مستمر، والتعذيب متواصل، ومع ذلك تأتي المبشرات، والنعم والمن من الله تعالى، قال تعالى: (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُون) القصص/4-6
وفي هذا الجو القاتم، والظروف القاسية يأتي الفرج واضحا جليلا ليفرج عن أم موسى التي لا تدري ماذا تفعل سوى الاستسلام لأمر الله تعالى، قال سبحانه و تعالى: "وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ"سورة القصص، فهو وحده سبحانه وتعالى الذي يخطط ويدبر لينقذ المؤمنين، ويهيأ لهم جميع الأسباب لتحقيق النصر وإهلاك الظالمين.
فمن الذي طمأن أم موسى، وأنزل عليها السكينة؟ ومن الذي حرم عليها المرضعات لتفوز هي فقط بإرضاع ابنها، ومن الذي جعل موسى ينشأ ويتربى ويترعرع في بيت فرعون، ومن الذي نجاه بعد ذلك من فرعون وجنوده؟ بل وأهلك هؤلاء الظالمين، فهل إذا تذكرنا هذه الأحداث، يتسرب اليأس إلى نفوسنا؟ أو أليست هذه القصة العظيمة تمنع تسرب اليأس إلى نفوس جميع المسلمين المستضعفين.
ذكرى عاشوراء وعودة الأمل، فهذه الذكرى العطرة تساهم في إعادة الأمل لنفوسنا، وتزرع الثقة في قلوبنا، وتبشرنا وترسخ اليقين في أن النصر من عند الله تعالى، وعلينا أن نبحث ونتأكد من أننا قد نصرنا الله عز وجل أول لنستحق أن يتنزل علينا نصره، ولا بد أن نكرر طرح هذا السؤال: هل نحن ـ معشر المسلمين المستضعفين ـ مؤهلين فعليا لئن يتنزل علينا نصر الله تعالى، فهل نصرنا الله عز وجل أولا؛ ليتحقق وعد الله تعالى لنا، حيث قال تعالى:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ"سورة محمد.
عاشوراء...فضائل وأحكام فإن من نعم الله على عباده أن يكرمهم بتكرار مواسم الخيرات، ليمنحنا الفرصة للعفو والتوبة، فما أن انقضى موسم الحج المبارك إلا وتبعه شهر كريم، هو شهر الله المحرم، فقد روى مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي أنه قال: "أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله الذي تدعونه المحرم".
وقد ردت أحاديث كثيرة عن فضل يوم عاشوراء والصوم فيه، ففي الصحيحين عن ابن عباس أنه سئل عن يوم عاشوراء فقال: (ما رأيت رسول الله يوماً يتحرى فضله على الأيام إلا هذا اليوم - يعني يوم عاشوراء - وهذا الشهر يعني رمضان). ولفضيلة هذا اليوم كان موسى عليه الصلاة والسلام يصومه، وليس هذا فحسب بل كان أهل الكتاب يصومونه، وكذلك قريش في الجاهلية كانت تصومه، ولما قدم رسول الله المدينة ورأى صيام أهل الكتاب من اليهود وتعظيمهم له، وكان يحب موافقتهم طمعا في إسلامهم، (كما بين الإمام النووي في شرحه لصحيح مسلم)، فصامه وأمر الناس بصيامه، ففي الصحيحين عن ابن عباس قال: (قدم رسول الله المدينة فوجد اليهود صياماً يوم عاشوراء، فقال لهم رسول الله: {ما هذا اليوم الذي تصومونه } قالوا: (هذا يوم عظيم أنجى الله فيه موسى وقومه، وأغرق فرعون وقومه، فصامه موسى شكراً لله فنحن نصومه)، فقال: " نحن أحق بموسى منكم، فصامه رسول الله وأمر بصيامه).