محمود القلعاوي
"والله ما نجا منها وما نجت منه" كلمة نطق بها أقزام أخساء دونما برهان ودليل، زلزلت أرجاء المدينة المنورة وعلى رأسها النبي محمد صلى الله عليه وسلم، صنعوا بكلمتهم هذه حادثة من أشد الحوادث على رسول السلام – حادثة الإفك - ، وهاك تصوير  صاحب الظلال لهذه الفجيعة: "حادث الإفك، قد كلف أطهر النفوس في تاريخ البشرية كلها آلاماً لا تطاق; وكلف الأمة المسلمة كلها تجربة من أشق التجارب في تاريخها الطويل; وعلق قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقلب زوجه عائشة ـ رضي الله عنها ـ  التي يحبها, وقلب أبي بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ  وزوجه ـ رضي الله عنها ـ, وقلب صفوان بن المعطل ـ رضي الله عنه ـ، شهراً كاملاً، علقها بحبال الشك والقلق والألم الذي لا يطاق".
وتعالى لنعرف كم قاسى صلى الله عليه وسلم من كلمة الإفك والضلال هذه: "ورسول الله صلى الله عليه وسلم في لهفة الإنسان, وفي قلق الإنسان, يستمد من حديث أسامة ـ رضي الله عنه ـ, ومن شهادة الجارية مدداً وقوة يواجه بهما القوم في المسجد, فيستعذر ممن نالوا عرضه, ورموا أهله, ورموا رجلاً من فضلاء المسلمين لا يعلم أحد عليه من سوء.. فيقع بين الأوس والخزرج ما يقع من تناور - وهم في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي حضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيدل هذا على الجو الذي كان يظلل الجماعة المسلمة في هذه الفترة الغريبة, وقد خدشت قداسة القيادة".
هذه هى الشائعات تهدم ولا تبنى، نتلقى الكلام باللسان بدلاً من الأذن والعقل، فلا فكر فيها، صاحبها يثير الاضطراب والفوضى في الأمة، بل وقد يصل شره في المجتمع كمروّج المخدرات بل وأكثر، فكل منهما يستهدف الإنسان وهلاكه، والشائعة ليست كلمة سطحية، بل زلزال يستهدف عمق الإنسان، يهدم الثوابت، ويغير الحقائق، ويوغر النفوس.
لحظة ينساها ناقل الشائعة: ألا يشعر الناقل للشائعة بخطورة ما ينقل،  يا لها من لحظة شديدة يصفها القرآن الكريم: "ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه، ويقولون ياويلتنا مال هذا الكتاب لايغادر صغيرة ولاكبيرة إلا أحصاها، ووجدوا ماعملوا حاضرا، ولايظلم ربك أحدا ً"سورة الكهف، وانظر إلى وصف النبي صلى الله عليه وسلم : "عليكُمْ بالصِّدقِ فإنَّ الصِّدقَ يَهدي إلى البِّر وإنَّ البرِّ يهدي إلى الجنَّةِ وما يزالُ الرَّجُلُ يصدقُ ويتحرَّى الصِّدقَ حتَّى يُكتبَ عندَ اللهِ صِدِّيقاً وإيَّاكُمْ والكذب فإنَّ الكذبَ يهدي إلى الفُجورِ وإنَّ الفجورَ يهدي إلى النَّارِ" رواه مسلم.
يصدق ويتحرى الصدق، يتحرى الدقة في كلامه، وفيما ينقله وفيما يرويه وفيما يحدّث به، وقال صلى الله عليه وسلم: "كفى بالمرء كذباً أن يحدّث بكل ما سمع "( رواه مسلم) أي أن ينقل الخبر دون أن يتحرى صحته ويدقّق في معلوماته، ولا ينقل حديثا نبويا و لا ينشر حديثا قبل التأكد من صحته
يقول الإمام الحسن البصري: "المؤمن وقاف حتى يتبين"، ويقول الأستاذ سيد قطب: " ... فالتثبت من كل خبرٍ ومن كل ظاهرة، ومن كل حركةٍ قبل الحكم عليها؛ هو دعوة القرآن الكريم، ومنهج الإسلام الدقيق، ومتى استقام القلب والعقل على هذا المنهج لم يبق مجال للوهم ...".
ومن المهم بمكان التفكر في محتوى الإشاعة، ليرى ما فيها من كذب وإفتراء وتضليل أ. محمد الجابري يقول: "إن كثيرا من المسلمين لا يفكرون في مضمون الإشاعة الذي قد يحمل في طياته كذب تلك الإشاعة، بل تراه يستسلم و ينقاد لها و كأنها من المسلمات، ولو أعطينا أنفسنا ولو للحظات في التفكر في تلك الإشاعات لما انتشرت إشاعة أبداً، لقد بين الله حال المؤمنين الذين تكلموا في حادثة الإفك فقال سبحانه: "إذ تلقونه بألسنتكم و تقولون بأفواهكم ما ليس به علم"سورة النور.
لا تنهزم من داخلك: وهذه نصيحة العلامة د . محمد راتب النابلسى : "أنا أريد ألا ننهزم من الداخل، الأخبار العامة لا ترضي، لكن الله موجود، وأقول لكم دائماً: استمعوا إلى الأخبار، واقرؤوا تحليلها، وكوّنوا رأياً شخصياً، ولكن لا تنسوا لثانية واحدة، أن الله موجود، وأن الله يقلب موازين القوى في ثانية، والأحداث السابقة تؤكد هذا، وكل شيء وقع أراده الله، وكل شيء أراده الله وقع، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة، وحكمته المطلقة متعلقة بالخير المطلق".
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الشيخ محمود القلعاوى: عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، وإمام وخطيب بوزارة الأوقاف المصرية.

JoomShaper