عبدالله إبراهيم علي
أحياناً يهملنا الآخرون حين نتحدث إليهم أو نتناقش معهم، أو يكفون عن النظر إلينا، فلا نجد الأذن الصاغية واحترام النقاش هذا إن لم يغب المنطق، فعندما يغيب المنطق يرتفع الصراخ، فالتواصل هو جسر الصداقة وشراع الأمل بين الأهل والأصدقاء وبين المحبين والعاشقين، فقد يوفي الحبيب أو الصديق وقد يهمل أو يتجاهل العلاقة مع الطرف الآخر، فقد تشعر يوماً بأن من تحبه وتهتم به يهملك، بل وأحياناً يتعمد ذلك، يعدك دائماً ولا يفي بوعده ويقدم لك أعذارا واهية وقد لا يكون موجودًا في أفراحك ويتأخر عليك في أحزانك، يقلقك غيابه ويعاتبك على قلقك عليه ويرى أنك تبالغ، هذا الكم التراكمي هو التجاهل بعينه، بل هو عدم الاهتمام واللامبالاة، فماذا نحن فاعلون حينما نواجه هذه السلوكيات من النفر القريب منا؟ هل هذا النوع يستحق حبك الذي تمنحه له؟ وهل ستظل مكانته في قلبك على حالها؟ أم تفتر العلاقة مع مرور الزمن؟ أتألم على هذا النوع من الناس عندما يبتعدون من غير سبب، واحزن عندما ﻻيشتاقون وأبكى عندما ﻻ يحسون بقسوة البعاد كالموت الذي يفقد عزيزاً لدينا، ولأن الفراق يعطينا فرصة الشوق لمن نفارقهم بعكس الإهمال الذي يقتل فينا أمل التواصل الفعال مع من نحبه، وهناك من يبكي على فراق الأحبة والبعض يعتقد أن أشد الألم ليس الإهمال ولا الفراق إنما الظلم أو الكذب، وهناك من يرى أن أشد الألم هو الخيانة وبعضٌ آخر يرى الذكريات المرة هي الأصعب على الإطلاق، وفي كل الأحوال يظل الألم غائراً حتى لو لم نذرف الدموع، إذن عندما تجف الدموع في المقلتين يبكي القلب بصوتٍ مكتوم، يبكي بكاءً أكثر ألماً وحسرة.

وقد نتعرف على أشخاص في حياتنا نجلس معهم ونتحدث إليهم وتقوى العلاقة معهم يوماً بعد يوم حتى تصل الى ما يسمى الارتباط الكامل بالطرف الآخر، ولكن سرعان ما يتسلل الملل أو الفتور فيترك أحدهما الآخر، وقد يكون من غير سبب، فهل ظاهرة التعلق العاطفي هي ظاهرة صحية طبيعية بين الطرفين أم هي ظاهرة مرضية خصوصاً عندما تكون هذه العلاقة بين رجلٍ وإمرأة تجمعهما قصة حب؟ وهنا يحضرني بعض ما قاله الشاعرفاروق جويدة:
إذا دارت بنا الدنيا وخانتنا أمانينا
وأحرقنا قصائدنا وأسكتنا أغانينا
ولم نعرف لنا بيتاً من الأحزان يؤوينا
وصار العمر أشلاءً ودمر كل ما فينا
وصار عبيرنا كأساً محطمة بأيدينا
سيبقى الحب واحتنا إذا ضاقت ليالينا

ففي أعماق كل إنسان مشاعر الفطرة كالحب والرحمة والصدق، ولكن الكثير منا يعيش على سطح الذات هارباً من العمق، فكل ﺷَﺨﺺ ﻟَﺪﻳﻪ ﻗﺼَّﺔ ﺣُﺰﻥ ﺑﺪَاﺧﻠﻪ خصوصاً حين يهمله الآخرون، وهناك من يتعب من التضحية دون نتائج وآخرون يبكون كل يوم على أشخاصٍ رحلوا عن الدنيا فصار الفراق الأبدي، والبعض يعاني من الغربة حتى وهو بين أهله وعشيرته، ولكن يبقى الأمل. إذن لنتعلم ألا ننافس الآخرين الذين فارقونا وهم على قيد الحياة أو أولئك الذين أهملونا وقطعونا فنعاملهم بالمثل، بل ليكن التنافس مع الذات فهو أفضل تنافس، وكلما تنافس الإنسان مع نفسه كلما تطور، بحيث لا يكون اليوم كما كان بالأمس، ولا يكون غداً كما هو اليوم.
أخيراً، لنتحلى بالإنسانية والأدب الجميل ويا ربُ إذا أعطيتني نجاحاً فلا تأخذ تواضعي، وإذا أعطيتني مالاً فلا تأخذ سعادتي، وإذا أساء إلىَ الناس، هبني شجاعة التسامح، وإذا أسأتُ أنا إلى الناس، هبني شجاعة الاعتذار.. ويوماً ما سنرحل دون أمتعة فيا رب أجعل وجهتنا إلى الجنة.

JoomShaper