مالك فيصل الدندشي
إن من يتأمل في واقعنا – وعيد الأضحى يطل علينا بعد أيام – أننا نعيش مأساة حقيقية تتمثل في هذه الفرقة بين أبناء الملة الواحدة، فتسبب لنا الوهن والضعف ((وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ))الأنفال 46، وأعداء الدين يتوحدون لمحاربتنا، وهذا الواقع لا تمثله بقعة واحدة أو جنس بشري معين؛ بل هو ممتد في الزمان والمكان والنوع. فما السر وراء هذا الاختلاف بيننا والذي يجعلنا لقمة سائغة لعدونا؟ وهل من علاج له؟
الاختلاف سنة من سنن الله عز وجل (وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ {11/118} إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ .....ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم .....) سورة هود118،119 وهو نوعان: اختلاف التنوع، وهو رحمة ونعمة ومنحة، واختلاف التضاد، وهو شر ونقمة نعوذ بالله أن يكون بيننا، ولهذا الاختلاف أسباب وعوامل أوجزها بما يلي:
إن أكبر سبب للاختلاف بيننا  - هو التعصب من الجميع لتياره
وثانيا: هو عدم إشاعة ثقافة الاختلاف والاطلاع عليها في مظانها، وهي كثيرة لأنها إن شاعت، فسوف تقرب بين هذه التيارات، وهذا لا يريده أعداء الدين؛ لذلك تغيب عنهم كما غُيِّبَ التاريخ عنا.
ثالثا: وقد يكون لبعض الرؤوس من الجميع هدف من هذا حتى تبقى له رئاسته على أتباعه، وهذه شهوة خفية، نسأل الله العافية.
رابعا: اختراق بعض الجماعات من قبل العملاء من الداخل والخارج، والذين يسيرون بعض الفئات وهم يظهرون على أنهم يخدمون الدين، وهو من تصرفاتهم براء.
خامسا: المال والمنصب يعملان عملهما في النفوس، فلا يحب أحدهم أن يتنازل للآخر بذريعة مصلحة الدعوة!!
سادسا: بعض الأمراض النفسية التي تصيب بعض القادة والعاملين معهم، مثل: الرياء وحب الشهرة، والغيبة والنميمة وغيرها، وفقدان الإخلاص.
سابعا: استعجال النصر عند بعضهم يجعله يسوغ - عن حسن نية - بعض المخالفات الشرعية بحجة مصلحة الدعوة.
ثامنا: دخول بعض مرضى النفوس في هذه التيارات؛ لتحقيق مآرب شخصية تحت العباءة الإسلامية.
تاسعا : جهل الكثير منهم بفقه الواقع ودراسة التاريخ والنحل والعقائد.
عاشرا: عدم تتبع الكثيرين منهم تحركات أعداء الملة، بذريعة تعلم العوم الشرعية، والتعمق فيها على الرغم من أن الله تعالى قال: (فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ.......) سورة التوبة 122.
حادي عشر: لا يوجد مشروع لبعض هذه الحركات.
ثاني عشر: ثقة بعض زعماء التيارات الإسلامية ببعض قادة بعض الدول، يجعلهم يرتمون في أحضانهم، أو أحضان عملائهم الظاهرين والباطنيين.
ثالث عشر: تضليل علماء السلاطين لكثير من المسلمين من داخل هذه التيارات.
رابع عشر: عدم حب الرجوع إلى الحق، ومراجعة المسيرة كل فترة، حتى تقوم الحركة مسارها وفق الضوابط الشرعية.
خامس عشر: عدم اتفاق أغلب العاملين على فهم بعض المصطلحات والمفاهيم، وتوصيف مجتمعاتنا في ضوء النصوص الشرعية من آيات وأحاديث، وقد يكون لحالات البطش والتنكيل والتهجير والتعذيب على بعض أبناء التيار الإسلامي، يجعل بعضهم يعيش في تصورات تحتاج إلى ترشيد...إلخ
إن أكثر ما يفرح العدو أن يجعلنا متناحرين على قضايا هي من المختلف فيه، أو يقع ضمن دائرة الاجتهاد، فعلينا جميعا أن نحسن أولا الظن بإخواننا، وإن أخطؤوا، ويعذر بعضنا بعضا في القضايا المختلف فيها، والتي يسوغ فيها الاجتهاد وفي غيرها، علينا أن نوضح الحق بدون أن ينصب كل واحد منا نفسه أستاذا على غيره، أو يفرض فهمه على الآخرين فالنصوص - كما نعلم - حمالة أوجه، ولنكن كما قال ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ عندما خالف عثمان ـ رضي الله عنه ـ في قضية الجمع في منى، ثم صلى وراءه، فلما فوتح في ذلك قال: إني أكره الخلاف.
إن مصلحة الإسلام ومستقبله تتطلب منا وعيا كبيرا، فالمؤامرة علينا جميعا جميعا، ولا ينبغي أن نؤكل كما أكل الثور الأبيض، ولا هم للأعداء سوى تفريق الصف حتى يسهل القضاء على الجميع.
اللهم لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا. اللهم أرنا الحق حقا، وارزقنا  اتباعه، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه.

JoomShaper