لها أون لاين
تعرض المسلمون في الفترة المكية للتعذيب والاضطهاد، بل والقتل، "وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ، وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللّهُ وَاللّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ"سورة الأنفال30، وكانت النفوس تتطلع للمرحلة التي يحصل فيها التمكين للمسلمين. ومن يتتبع مراحل تكوين الدولة الإسلامية الأولى، سيجد أنها تكونت بعد الهجرة للمدينة، بعد بيعة العقبة الثانية، وبعد التأكد من توفير الحماية للدولة الفتية، أو مع وجود مقومات بناء دولة للمسلمين قامت الدولة، واهتم الرسول صلى الله عليه وسلم بتأسيس أركانها بالمؤاخاة بين المسلمين، وببناء المسجد، ووضع ميثاق للتحالف الإسلامي، وتوقيع وثيقة أو معاهدة مع اليهود، والاهتمام بإعداد القوة، والاستقلال بالاقتصاد.
وبعض الناس توقع أن تشهد الفترة المدنية بعد قيام الدولة وتأسيس أركانها حصول الرخاء، ويشعر المسلمون فيها بالاستقرار، ويحس الجميع بالأمان واستتباب الأمن، ولكن الذي حدث هو أن زادت الابتلاءات، وكثرت الحروب، و تنوعت المؤامرات، وتعددت الخطط والتي كانت تهدف لاستئصال شأفة المسلمين، والتخلص من قوتهم، والقضاء على دولتهم، لدرجة أن الرسول صلى الله عليه وسلم شهد وشارك بنفسه في 28 غزوة، وقدم المسلمون التضحيات العديدة في الفترة المكية، ولكن عدد من قتل أو نال الشهادة في المدينة أكثر بكثير من الفترة في مكة، ففي غزوة أحد قتل سبعون صحابيا، وبعدها في بعث الرجيع قتل ستة نفر، وفي مأساة بئر معونة تم خداع المسلمين، و قتل سبعون من قراء القرآن، وتجمع المشركون في عشرة ألاف مقاتل للهجوم على المدينة والقضاء على دولة المسلمين في غزوة الخندق، وهكذا استمرت الحروب وزادت الخطط والمؤامرات، فالدولة لم تشعر بالأمان، رغم حصول التمكين وتحقق الانتصارات.
نقول ذلك ونذكر بسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، ونؤكد عليها لمن ظن أن الصراع بين الحق والباطل قد هدأ بعد التمكين، أو مع بداية الإصلاح و العمل على محاربة الفساد، وظن الناس أن الانتصار تحقق، ولكن كما رأينا بعد تأسيس دولة المسلمين الأولى زادت الابتلاءات، وكثرت المحن، فإذا تفوق أهل الباطل، أو وقعت هزيمة أو تعرض الإسلاميون للمحن، فلا بد من التوقف مع النفس ومحاسبتها، والبحث عن العيوب؛ لتلافيها مستقبلا، وعدم حصر الاتهامات في المؤامرات الخارجية.
وهذا الدرس قد أكد عليه القرآن الكريم بعد غزوة أحد، فلما وقعت الهزيمة بسبب مخالفة الرماة، تساءل بعض المسلمين وتعجبوا، أليس بيننا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو ألسنا على الحق؟ فكيف تقع الهزيمة لجميع المسلمين؟ فجاء الجواب الحاسم شافيا يتلي ليوم الدين، في قوله تعالى: "أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ"سورة آل عمران 165.  ونزلت الآيات لتثبت المؤمنين وتبين الحكمة من كثرة الابتلاء: "وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ، إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ" سورة آل عمران 139، و140.

JoomShaper