لها أون لاين
جاء الإسلام بمحاسن الأخلاق، كما جاء بأعظم دين وأفضل تشريع. وربط بين حسن الخلق وغاية بعثة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، ففي الحديث الصحيح الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه: (إنما بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ مكارمَ الأخلاقِ)1 و في روايةٍ (صالحَ). ورتب على حسن الخلق الجزاء الأوفى، فقد روى أبو أمامة الباهلي قوله صلى الله عليه وسلم:-(أنا زعيمٌ ببيتٍ في رَبَضِ الجنَّةِ لمن ترك المراءَ وإن كان مُحِقًّا، وببيتٍ في وسطِ الجنةِ لمن ترك الكذبَ وإن كان مازحًا، وببيتٍ في أعلى الجنّةِ لمن حَسُنَ خُلُقُه.)2.
وإتماماً للحجة على الخلق أنعم الله علينا بالنبي القدوة محمد صلى الله عليه وسلم الذي زكاه ربه بقوله (وإنك لعلى خلق عظيم) سورة القلم آية 4- ووصفه أنس رضي الله عنه بقوله: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أحسنَ الناس خُلقًا" متفق عليه. وأجمع قومه قبل الإسلام على وصفه بالصادق الأمين.
وحين نتأمل منظومة الأخلاق في الإسلام نجد الصدق على قمتها، وفي مقدمتها. وفي مقابل ذلك لم يحظ خلق بالذم بمثل ما حظي به الكذب، ففي الحديث: (المؤمنُ يطبعُ على الخلالِ كلِّها إِلَّا الخيانةَ والكذبَ) 3. لذا يجب أن يتحلى الفرد والمجتمع المؤمن بالصدق دائماً في كل المجالات، وتحت كل الظروف، وإلا انتفت عنه صفة الإيمان.
وحري بالإعلام اليوم - إذا كان يمثل بحق الأمة، ويعبر عن مبادئها وينطلق من ثوابتها - أن يتمثل هذا الخلق الإيماني الرفيع بوصفه مصدر الأخبار ومنارة التوجيه، ومكون أساسي من مكونات الأمة. إلا أن ما تمارسه أكثر وسائل الإعلامي العربي من كذب صراح، ودجل ممقوت، وقلب للحقائق في ظل سقوط أخلاقي ومهني يندى له الجبين، ينم عن نفاق فاضح، وانسلاخ ظاهر عن شخصية الإعلامي المهني، فضلاً عن شخصية المؤمن السوية.
إعلامنا العربي إلا ما ندر يوجه سفينة الأمة نحو التبعية تارة، ونحو الانحلال الخلقي تارة أخرى، فإذا ما جمع مع هذه الرزايا تزييف الحقائق، و التشكيك في المسلمات، فقد أصبح عبأً ثقيلاً على الأمة يهدد كيانها بتضليل عوامها، وإفساد أجيالها.
إن الإعلامي النزيه مبلغ للخبر الصادق، ناشر للفضيلة، مدرك لأثر الكلمة وتأثيرها، إن عجز عن قول الحق لم يروج لباطل، وإن عجز عن الإصلاح من خلال التوجيه لم يفسد، وإن عجز عن التحليل الدقيق للأحداث لم يخبط خبط عشواء فيضل الناس بغير علم.
ورغم أداء إعلامنا العربي المخزي، وواقعه المر الذي تتأكد مرارته مع كل حدث تشهده الأمة، إلا أن الله جل وعلا الذي اختص هذه الأمة بخير الرسل وأفضل الشرائع، كفل لها ولشرعها الخلود والبقاء ((هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ))سورة التوبة، و الصف آية 9. وأخبرنا بأن الحق باق ((فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ)) سورة الرعد آية 17. وأنه مهما بذل المبطلون لتزوير الحقائق، وتعميتها على الناس، فلابد لها من أن تصل عبر مسالك ودروب لتتبن للناس فلا يحجبها إعلام كاذب، أو دعاية مضللة. وما انصراف الجماهير في عالمنا العربي على وجه الخصوص عن كثير من وسائل الإعلام العربي الرسمي إلى الوكالات الأجنبية و القنوات الخاصة ومواقع التواصل الاجتماعي إلا تعبير صادق عن عدم ثقتها فيما يقدم لها من إعلام يفتقد إلى الصدق أكثر مما يفتقد إلى المهنية.
وتظل المسؤولية الفردية للشعوب في البحث عن الحقيقة وتحريها، فلا عذر لأحد أمام الله إن ضللته وسائل الإعلام بزيفها، أو فتنته ببريقها. وسوف نلقى الله جميعاً فلا تنفع التبعية الباطلة، ويتبرأ كل مضل ممن أضل ((وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ، فَيَقُولُ أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَٰؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ، قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَا أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَٰكِن مَّتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّىٰ نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا))سورة الفرقان17 ، 18.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1- رواه مالك وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة رقم45.
2- رواه أبو داود وحسنه الألباني في صحيح الترغيب رقم 2648
3- رواه أحمد في مسنده، ورواه البزار والطبراني وضعفه عدد من العلماء منهم الألباني، في ضعيف الجامع وغيره.
إعلامنا وأخلاق الإسلام
- التفاصيل