إسراء الردايدة
عمان- تتناول المخرجة السورية سؤودد كعدان في فيلمها “يوم فقدت ظلي”، آثار الحرب السورية وحالات الضياع والخوف التي أثرت في نفوس السوريين، سيما اولئك الذين عاشوا هذه المعاناة التي ارتبطت بغياب الأمان وألم الفقد من بين آلاف القصص الموجعة.
فاز “يوم فقدت ظلي” بـ “ريشة” مهرجان كرامة لأفلام خقوق الانسان كأفضل فيلم روائي، بعد نيله مؤخرا جائزة “أسد المستقبل” كأفضل عمل أول في مهرجان فينيسيا السينمائي
الدولي.
ويتناول الفيلم ما تمر به البطلة سناء (سوسن ارشيد) أم طفل في الثامنة من عمره، تعيش في مدينة دمشق، حيث تعتني به، وتحرص عليه جيدا بسبب الاوضاع المحيطة بهما، حيث تعرضت الصيدلية التي تعمل بها للتفتيش وتكسير زجاج واجهتها، للاشتباه بشاب معارض للنظام السوري.
وتتصاعد الأحداث في الفيلم حينما ينفد الغاز من المنزل، لتخوض رحلة شراء “جرة غاز” في منطقة خاضعة لحصار النظام برفقة جلال (سامر اسماعيل) وشقيقته ريم (رهام كسار)، ورحلة العودة لطفلها التي لم تكن سهلة أبدا.
الأجواء منذ بداية الفيلم تصور الحياة اليومية في مدينة دمشق، انقطاعات متكررة للكهرباء، ضغوطات وخوف وترقب للغارات وأصوات الانفجارات، كبسات تفتيش وحملات اعتقال، ما يعكس الجو العام للمدينة.
الأحداث التي تتوالى تتحول لرحلة طريق منذ استقلال الثلاثة سيارة الاجرة بعد أن صادرتها مجموعة من العساكر التابعة للجيش، التي تسمح لعدد قليل من أهالي الحي بتبديل إسطوانات الغاز، وتأخذ باقي الاسطوانات الممتلئة لها؛ ليقرر الثلاثة التوجه لمنطقة العدوي لتبديل إسطوانات الغاز.
مشاعر الخوف التي تعتري قلب سناء على طفلها والسعي للعودة إليه، تمثل ملامح مجتمع كامل يعيش كارثة إنسانية تشمل كل المدن، حيث نقلت كعدان هم الأم التي لم تعد تهتم لشيء سوى العودة لإبنها، ليجسد الأوضاع والفروقات ما بين المدينة وريفها، وأثرها النفسي على المجتمع في مدينة تعاني الاحتلال وسط حواجز أمنية وعسكرية ونقاط تفتيش لا نهاية لها، الخوف من الموت في أي لحظة أو حتى الاعتقال الذي يزيد مشاعر الخوف من الموت من التعذيب.. ثلاث أرواح هائمة، تبحث عن مخرج كل طريقته.
تصور كعدان فيلمها من خلال صورة شعرية ترتبط بالواقعية بأسلوب مميز، وكاميرا متحركة طيلة الوقت، لتمثل الخوف والهلع والقلق الذي عاشه الثلاثة وهم يبحثون عن مخرج، فجلال معتقل أكثر من مرة من قبل الجيش، حيث تعرض للتعذيب يختفي في منتصف الطريق، فيما ريم التي اعتقلت مرة واحدة تخفي موقفها مما يدور، خوفا من فقدان أخيها كما حدث مع مازن شقيقها الآخر، ووحدها سناء التي تعيش حالة من الحياد، رافضة التدخل لضمان الحماية لطفلها.
المشاهد تتغير، في فصل جديد من الرحلة، حيث الحصار يظهر على الشاشة، تتصاعد مشاعر الخوف، فيما الكاميرا التي تتحرك، وكأنها مشوشة لا تعرف أين تذهب، تتقارب أحوال الجميع، حيث تختبر سناء ما يعايشه الريف السوري بعيدا عن الأخبار على أرض الواقع، وهي التي لم تزره من قبل، فيما جلال الذي شهد موت شقيقه مازن تحت التعذيب في السجن، لكنه نجا، وريم التي عاشت فقدان الأخ وعذاب الاعتقال، جميعا فقدوا تصوراتهم بعد أن تعرضوا لعذابات أشد من الموت نفسه.
شخصيات بلا روح، ضائعة، تحاول أن تحكي أن ذلك الظل الذي يرافق الفرد قد ضاع برمزية لموت تلك الارواح، فوحده الموت لا خيال له.
التحولات اللونية البصرية في الفيلم منذ بدايته خاصة خلال مشاهد العلاقة بين سناء وطفلها والحب والخوف والقلق عليه تتغير؛ لتعبر عن الخوف بداخلها، فيما الرؤية الانثوية للمخرجة ومنتجة الفيلم جعلته فيلما نسويا بحق.