سهير الأتاسي
لا يمكن لسياسة دور الضحية، تلك السياسة الدفاعية، أن تعطي المرأة السورية النديّة التي تستحقّها وتليق بها في ميادين العمل السياسي والدبلوماسي والحقوقي والإعلامي والإنساني والمدني، بل لا بدّ من العبور إلى المساحة الأرحب، والتي تتجلّى في كون النساء السوريات الفاعلات في ساحة الثورة والمعارضة ناجياتٍ، ليس بالضرورة من إجرام نظام الأسد وحلفائه، بل ومن محاولات التنميط المتكررة والمستمرة.
من شأن هذا العبور أن يضمن الانتقال أيضاً من حال الاكتفاء بالحديث عن المظلومية في التهميش والإقصاء، والاستكانة لمجرد المطالبة بمقاعد وحصص ونسب، إلى الأخذ بزمام المبادرة

والتأسيس لعمل نسوي حقيقي وفاعل في كافة مجالات الشأن العام، لا ينتظر من يعطيه حقه في التعبير عن جدارته وأحقيّة وجوده.
ولتنميط دور المرأة في الثورة السورية وجوهٌ عديدة في سياق الحديث عنها في السلب كما في الإيجاب. فمنذ بدايات الثورة، كانت الصورة الأكثر رواجاً للنساء السوريات: المرأة الضحية، أرملة الشهيد وأخت المقاتل وأم الثائر، المرأة المشرّدة التي لا معيل لها، المرأة المهمَّشة في مجتمعٍ محافظ، تلك المهجَّرة التي تتحمّل أعباء تنشئة أطفالها وحيدة. هي صورٌ تخفي في أعماقها صورة المرأة المقاوِمة التي لا يُتاح لها الظهور إلا بشكل ضمني بسبب الاعتقاد السائد أن دور الضحية هو الدور الأكبر الذي لعبته المرأة في الثورة السورية، وأنه الأكثر تأثيراً لكسب تعاطف العالم أجمع.
نادرة هي تلك المشاهد التي توثّق دور المرأة الثائرة والناشطة والسياسية والحقوقية والإعلامية
نادرة هي تلك المشاهد التي توثّق دور المرأة الثائرة والناشطة والسياسية والحقوقية والإعلامية، تلك التي ساهمت في تنظيم المظاهرات منذ انطلاق ثورة الحرية في آذار 2011، وكانت في الصف الأول من الثورة ليس فقط في مواجهة إرهاب السلطة بل وأيضاً في مواجهة إرهاب تنظيمات دخيلة على سوريا. ومن المرأة الثائرة وصولاً إلى المرأة السياسية التي شاركت في تأسيس أولى التنسيقيّات الثورية، وأوّل التنظيمات الثورية الشبابية، وكذلك المرأة الإعلامية التي نقلت صوت الثورة ورسالتها، والمرأة الحقوقية التي برز دورها في توثيق الانتهاكات وجذريتها في الدفاع عن الحقوق، والمرأة الصحفيّة والكاتبة التي حاربتْ بقلمها الحرّ أكثر الأنظمة إجراماً في العصر الحديث.
وفي مواجهة دور المرأة البارز في الثورة السورية، اجتمعت الجهود المبتكَرة بهدف الخلاص منه أو إضعافه. فمن جهة استخدم نظام الأسد سلاحاً جديداً، بالإضافة إلى أسلحته التقليدية، لمنع المرأة السورية من المشاركة في الثورة، هو سلاح "العنف الجنسي" كسياسة عقابية لها على اعتبارها "حاملة لشرف مجتمعها بحسب العرف والتقاليد والثقافة والدين" في مجتمعاتنا الشرقية، فكان تدمير السلامة الفيزيائية لها هو أحد وسائل عمل النظام على هزيمة الثورة، ما جعلها عرضة أكبر لهذا الأذى المباشر ابتداءً بالتحرّش والاغتصاب إلى الإكراه على الدعارة. حيث أصبح الاغتصاب سياسةً ممنهجَة كجزء من سياسة سلطة الأسد، كما أصبح العنف الجنسي أحد الأسلحة المروّعة في ترسانة التعذيب الخاصة به مع الإفلات الكامل من العقاب، وخصوصاً مع ازدياد صعوبة توثيق تلك الجرائم بسبب خصوصية موضوع الشرف والكرامة في ظلِّ التقاليد المحافِظة التي يتّـسِـمُ بها المجتمع السوري.
ومن جهة أخرى، وفي مجتمع بطرياركي كمجتمعنا، ووسط معارضة ذكورية كمعارضتنا، لم يكن من السهل إطلاقاً على المرأة المنتمية للثورة أن تعمل في الشأن العام، بل وكان الأكثر صعوبةً ومشقّة أن تثبت نفسها في المجال السياسي بالذات. ففي المؤسسات الرسمية لقوى الثورة والمعارضة، يندر أن تنجح امرأة في انتخابات الهيئات السياسية والقيادية بدون "كوتا"، بسبب تزاحم الرجال على تلك المقاعد، وإمساكهم غالباً بتلابيب الكواليس الانتخابية وصفقات المصالح المتبادلة التي يمكن أن تناقش أهمية وجود "بعض الوجوه النسائية" هنا أو هناك بغية اكتمال المشهد وإكمال الصورة التي ترضي المجتمع الدولي. وقد حصل سابقاً أن لم تنجح امرأة واحدة في تلك الانتخابات، فقد كانت المعركة الانتخابية محمومة إلى درجة أن سقطت منها تلك الاعتبارات التي لا تعدو كونها شكلانية، ولم تأخذ يوماً بعين الاعتبار كفاءة المرأة وجدارتها قبل الحديث عن أحقيتها في التمثيل.
تُحجَب عن المرأة كل الملفات الأخرى التي تتعلّق مباشرة بالسياسة والعلاقات الدولية والتواصل مع الفصائل العسكرية
وعندما تصل المرأة إلى الهيئات القيادية في مؤسسات قوى الثورة والمعارضة، تكون غالباً نائب رئيس أو نائب منسق عام، حيث لم يحدث أن ترشّحت مرة واحدة لمنصب الرئيس ولو من باب التجرّؤ على خوض تحدٍّ آن أوانه وربما تأخّر، وعندها يتمّ التعامل معها في أحيان عديدة بوصفها "سكرتيرة"، تحمل مهام أمانة السر، أو تُسَلَّم غالباً، هي وزميلاتها في الهيئات القيادية الأخرى، الملفات الإنسانية: ملف الإغاثة والحصار الإنساني وحقوق النساء وملف المعتقلين. ذلك هو الدور النمطي الذي تمّ حجزه للمرأة، فهو الدور الوحيد الذي يستغني عنه رجالات المعارضة على الرغم من كونه دوراً أساسياً يعمل على ملفات تصبح يوماً بعد يوم محورية في ملاحقة مجرمي الحرب. بينما تُحجَب عن المرأة كل الملفات الأخرى التي تتعلّق مباشرة بالسياسة والعلاقات الدولية والتواصل مع الفصائل العسكرية، وفي هذا السياق أذكر تماماً الدهشة التي علتْ الوجوه عندما رشّحت بعض النساء أسماءهنّ للجنة التواصل مع الفصائل في الائتلاف الوطني، وللجنة العمل على ملف مكافحة الإرهاب في الهيئة العليا للمفاوضات.
وقد وقع المجتمع الدولي، هو أيضاً، في خطيئة تنميط دور المرأة السورية في العملية السياسية، عندما لم يدرك أن طاقات النساء السوريات اللواتي عشنَ ظروف الاستبداد والقمع والثورة المستمرة وحرب الوكالات، تتجاوز نَسَق حمامات السلام، إلى فضاءٍ هو حتماً أعلى وأسمى، يطالبنَ فيه بالتحرّر والحرية وبناء الديمقراطية، ولا يتراجعنَ عن هدف إسقاط الاستبداد والخلاص من نظام الأسد، بل ويرفضنَ خديعة حماية المدنيين على حساب إقرار العدالة والحق في محاكمة مجرمي الحرب. لقد اكتسبتْ المرأة خلال سنوات الثورة السورية ما يكفي من الوعي السياسي للخروج مما يصرّ المجتمع الدولي على قولبتها داخله، كصانعة سلام فقط، فالمرأة السورية لا ينصفها إلا الاستمرار في نهج الثورة حتى إسقاط منظومة الاستبداد وتنشّق هواء الحريات.
كذلك في سياق الحديث عن المرأة ودورها في الثورة سلباً، لا تخلو الحملات ضدها من التنميط، حيث تطال تلك الحملات بالضرورة الجانب الشخصي من حياة النساء، بل وتنتهك خصوصيتها، وتتفنّن في كيل الاتهامات المرتبطة بالمفهوم الضيق لشرفها، وتتعدّاه لتنال أيضاً من شرفها الأخلاقي والمهني، فتتهمها بكافة أنواع السرقات والاختلاسات والمحسوبيات واستغلال الجسد، فتغتالها أخلاقياً واجتماعياً وسياسياً في آنٍ واحد. نادرة، وربما معدومة الحملات التي تتقاطع مع تلك التي تنال من رجال الثورة والمعارضة فيما يتعلّق بالعلاقة مع النظام ومصداقية الموقف السياسي والالتزام الحقيقي بالثورة.
وعلى الرغم من كل ما سبق، وبالرغم من انكفاء بعض النساء عن دروب الشأن العام، مازال هناك ناجيات من التنميط، ناجيات وقياديات في مجال نشاطهنّ، وضعنَ نصب الأعين ضرورة مواجهة مهام مضاعفة، تتمثّل ليس فقط بكسر الصورة النمطية لدور المرأة في الثورة السورية ومقاومة الحملات المشوّهة، بل وبجوهرية الاستمرار لأجل إنصاف السوريين وعتقهم من قدر الاستبداد وجرائم الحرب، والدفع باتجاه استعادة مسار الثورة والدفاع عن جذرية أهدافها. تلك هي قوة النساء في الثبات على الموقف والاستمرار في النضال والتضحية وبذل الجهود التي يجب أن تتضافر لإيقاف أي محاولة لإعادة تأهيل نظام الأسد الكيماوي. هي قوة النساء التي إن تمّ تجميعها وتوظيفها فمن شأنها أن توقف تضليل الثورة السورية عن أهدافها، وأن تمنع تطويع المجتمع الدولي لمسارات النضال المستمر في الأيام التي يستعيد فيها الحراك المدني الشعارات الأولى للثورة وصولاً إلى سوريا حرّة نستعيد من خلالها إنسانيتنا حتى لا تضيع تضحيات السوريين على مذابح المصالح الدولية.

JoomShaper