روما (16 آذار/مارس) وكالة (آكي) الإيطالية للأنباء
قبل نحو أربع سنوات، اعتقل الأمن السوري أربعة عشر طفلاً دون الثالثة عشرة من العمر، وعذّبهم لأنهم كتبوا شعارات ضد النظام على جدارن مدارسهم في درعا جنوب سورية متأثرين بالثورات العربية، فكانت قضيتهم السبب المباشر لبدء انتفاضة سلمية تحوّلت إلى مسلحة تحت ضغط عنف النظام وانتهاجه الحل العسكري. 

قتل النظام السوري، وفق إحصائيات مراكز حقوقية سورية، أكثر من 18 ألف طفل، واقتاد مئات الأطفال إلى السجون، كما قَتل أمام أعين الأطفال الآخرين آباؤهم وأخوتهم وأصدقاؤهم، وما عاد ممكناً للبعض منهم إلا أن يقتدوا بالآخرين فحملوا السلاح بعمر مبكّر.

تقول المنظمات الحقوقية السورية إن أجهزة الأمن السورية وميليشيات النظام اعتقلت أطفال وعذّبتهم للوصول إلى أفراد من أسرهم، ثم طوّر طرق القضاء عليهم بالجملة، فقتل العام الماضي أكثر من 400 طفل بالسلاح الكيماوي في يوم واحد في غوطة دمشق، ووفق المراصد الحقوقية أيضاً فإن أكثر من 98% من الضحايا الأطفال قضوا على يد قوات النظام، وبلغت نسبة القتلى الأطفال نحو 6% من إجمالي ضحايا الحرب والبالغ عددهم أكثر من 300 ألف قتيل كحد أدنى، في حين أن النسبة في حالات الحروب النظامية بين جيشين هي 2%، أي أن النظام السوري قتل ثلاثة أضعاف ما يمكن أن تقتله أي حرب.

الانتهاكات الهائلة بحق الطفولة خلفت آثاراً نفسية مريعة، صدمات ناجمة عن فقدان الأهل والأصدقاء، وتدمير المنازل، والتشريد، والحرمان من التعليم، إضافة إلى مشاهدة أعمال العنف وعمليات القتل والإعدام والرجم، فضلاً عن عشرات آلاف الأيتام وذوي الإعاقة من الحرب.

من أخطر النتائج التي أفزرتها مشاهد العنف والسلاح في سورية ظهور معارك حقيقية بين الأطفال الذين باتوا يمتشقون في الشوارع مسدسات وبنادق بلاستيكية يطلقون النار على بعضهم في مشهد يُحاكي الواقع الذي يعيشونه.

كل الأطراف في سورية شاركت وتورّطت بتجنيد الأطفال، لكن بنسب متفاوتة، أبرز هذه الأطراف هو النظام، يليه تنظيم الدولة الإسلامية، ثم قوات الحماية الكردية، وأخيراً كتائب المعارضة المسلحة، ولكل من هذه الأطراف خصوصيته.

لا توجد إحصائيات دقيقة تقدر أعداد الأطفال المقاتلين في صفوف ميليشيات النظام أو الجماعات المسلحة الأخرى، لكن بعض التقديرات غير الرسمية تشير إلى انخراط الآلاف من الأطفال بالحرب إلى جانب النظام وإلى جانب الأطراف الأخرى، تم استغلالهم في عمليات القتال المباشرة وغير المباشرة، واستعملوا لأغراض الوقوف على الحواجز، مراقبة ورصد، توصيل معلومات وتجسس، حراسة في نقاط الأمن، وكذلك نقل الذخائر وإمدادات أخرى إلى الجبهات.

وعبثاً طالبت منظمة (هيومن رايتس ووتش) جميع الجماعات المسلحة في سورية بالتعهد علناً بحظر تجنيد واستخدام الأطفال، وبتسريح جميع المقاتلين أو المساعدين تحت 18 عاماً في صفوفها. كما طالبت المانحين بتجميد جميع المبيعات والمساعدات العسكرية المقدمة للقوات التي تستخدم الأطفال كجنود.

على رأس الجهات التي تُجنّد أطفال في سورية هي النظام السوري، فجيش الدفاع الوطني، واللجان الشعبية، والشبيحة وكتائب البعث، وغيرها من الميليشيات تقبل كل من يرغب بالتطوع، حتى لو قل عمره عن 18 سنة، نتيجة الخسائر التي يتلقاها الجيش ويؤدي لنقص في المقاتلين، ويقوم بعضهم بتلقي تدريبات سريعة لا تتجاوز الأسبوع ثم يُزجّ بهم في الصفوف الأمامية لجبهات الحرب.

الصبغة الطائفية لهذه الميليشيات تدفع الكثير من الأطفال للحماسة للدفاع عن طائفتهم، وفي اعتبارهم أن ما يقومون به هو حرب وجود، متأثرة بتحريض وسائل الإعلام وبعض رجال الدين، ويقول بعض الناشطين إن 40% من اللجان الشعبية مادون 18 سنة من العمر.

تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) يعمد إلى تجنيد الأطفال من خلال زجهم في معسكرات تدريب تسمى (دورات الأشبال)، بإغراء الأهالي مقابل مبالغ مالية بين 100 و200 دولار حسب عمر ومهارة الطفل، وأحياناً يلجأ لتجنيدهم قصراً دون موافقة أهاليهم في حالة تشبه الاختطاف.

وللتنظيم عدة معسكرات لتدريب الأطفال في الرقة ودير الزور والبوكمال وريف حلب، يلتحق بها الأطفال ونشر أكثر من فيديو تُظهر أطفالاً، سوريين وغير سوريين، وبعضهم من روسيا، يقومون وبتوجيه من المسلحين بإعدام آخرين بالرصاص أو بجز عنقهم.

وتقول منظمات وناشطون إن الكثير من الأطفال دون سن الـ 18 يُقاتلون في صفوف وحدات حماية الشعب الكردية، و(الأسايش)، التابعان لحزب الاتحاد الديمقراطي الكردي السوري، الذي أعلن إدارة ذاتية لمناطق ذات غالبية كردية شمال سورية، واللافت أن هذا الحزب تورط ليس فقط في تجنيد الأطفال الذكور فقط وإنما الإناث أيضاً، واتّهمه أكراد أنه اختطف فتيات من بيوتهن ليُلحقهن بقواته المسلّحة، في مهام غير قتالية أحياناً كالرصد وتذخير الأسلحة، وفي أعمال قتالية مباشرة في الجبهات.

للحزب الكردي معسكرات تدريب للمتطوعين وزادت نسبة المتطوعين دون سن 18 بعد هجوم تنظيم الدولة الإسلامية على مدينة عين العرب (كوباني)، ووثقت المراصد وجود أسماء 20 قاصرا وقاصرة من الأكراد دون الثامنة عشر قضوا في اشتباكات وهم يحملون السلاح. وكان الحزب قد اتهم بإختطاف همرين عيدي (13 عاما)، وحزبية شيخموس (15 عاما)، حيث أرسلهما "رغماً عن أهاليهما إلى معسكر للتدريب في جبال قنديل معقل حزب العمال الكردستاني شمال العراق"، ودائماً وفق مصادر كردية.

لم يسلم الطفل السوري من انتهاكات أطراف المعارضة المسلحة السورية الأخرى، فقد قالت مراصد حقوقية إن المعارضة المسلحة تقبل ضمّ أطفال إلى صفوفها، لنقل المؤن أو لاستطلاع المناطق وتهريب الأسلحة، وأخفقت في حماية الأطفال بشكل ملائم بسبب تنفيذها أعمالاً حربية داخل مناطق مأهولة، لكنّ الأمم المتحدة حمّلت المسؤولية الكاملة للنظام الذي مارس عنفاً مفرطاً أدى لمثل هذه الظواهر.

يدافع أحد قادة كتائب المعارضة المسلحة عن الاتهامات الموجهة لهم بتجنيد الأطفال، ويؤكد على أنهم لا يُلزمون أحداً بالقتال في صفوفهم، وأنهم، حتى لو قبلوا بعض المراهقين ما دون 18 عاماً، فإنهم يشترطون عليهم العمل بالشق التقني أو الإعلامي فقط، ويرفضون تسليمهم أي سلاح حتى لو مسدس، لكن ليس هذا ما تقوم به كل كتائب المعارضة المسلحة.

أحد قادة معسكر (أشبال التوحيد) التابع لكتيبة (بيت المقدس) في ريف دمشق ينفي أن يكون هناك تجنيد للأطفال، يقول إنها ليست ظاهرة إطلاقاً، فالمعارضة بالمحمل لا تُجنّد الأطفال، فهم لا ينقصهم مقاتلون شباب، لديهم الكثير وغالبيتهم ممن لديهم خبرات عسكرية، من المنشقين عن الجيش أو ممن خدموا الخدمة العسكرية الإلزامية، وينقصهم السلاح، لا سلاح للكبار، فكيف للصغار، ويشرح أن بعض الكتائب تقبل أطفال دون الـ 18 لتعلّمه كيف يدافع عن نفسه إن تعرّض لظرف يدعوه لذلك في بيئة حرب مفتوحة.

المسؤولية الأخلاقية تحتم على السوريين وعلى المجتمع الدولي العمل على وصف الأطراف التي تُجبر الأطفال على الانخراط في الصراعات الداخلية والحروب على أنهم مجرمو حرب، ويُرتب على هذا الوصف عقوبات رادعة، وأن لا يكتفي فقط بالدعوة إلى احترام حقوق الطفولة، بل أن يستخدم كل أدواته المُلزمة لمنع استخدام الأطفال في الصراع السوري تحديداً
JoomShaper