فمن ألم الحرمان من الوطن، إلى ألم المعاناة في أوطان اضطر فيها السوريون كخيار أخير لتقديم كل التنازلات بحثاً عن الحياة، وسط مصير محفوف بالمخاطر، في دنيا أرغمتهم على ما لم يكونوا يتمنونه، فمن الموت إلى الموت، حياة تحمل بين جنباتها الكثير من الشقاء.. "تشريد وتسول واستعباد للأطفال".
خريطة تواجد اللاجئين السوريين، اختلفت من مكان إلى آخر، فهناك ملايين لا زالوا يقبعون داخل سوريا في مناطق تُحاصرها شبيحة الأسد، فهم لا جئون داخل أوطانهم، بينما يُوزع اللاجئون الآخرون في مختلف دول الجوار، وعلى رأسها تركيا ولبنان والأردن، وفي بلدان عربية مثل مصر.
البحث عن إقامة
وبعيداً عن ألم التشرد، يعاني لاجئو سوريا أزمة جديدة وهي البحث عن إذن "الإقامة" التي باتت شرطا أساسيا لأي بلد يلجأ إليه السوريون لحفظ بقائهم فيها، والتي بسببها لم يعد بإمكانهم التحرك دون تصريح إقامة نظامية في بلاد اللجوء التي كانت تعفي السوريين من تأشيرة الدخول أو إذن الإقامة.

سوريون عالقون
وأصدرت المفوضية العليا لشئون اللاجئين التابعة لمنظمة الأمم المتحدة بياناً تحذر فيه من خطورة الظروف التي يعيشها ملايين اللاجئين السوريين، خاصة مع تزايد احتياجاتهم الإنسانية وتراجع الدعم الدولي.
وأشار البيان - الذي يتزامن مع دخول الثورة السورية عامها الخامس - إلى أن أكثر من نصف اللاجئين السوريين في لبنان يعيشون في مساكن غير آمنة، مؤكداً أن واقع البؤس الذي يعيشونه يستنفد مدخراتهم، مما يدفعهم إلى التسول وعمالة الأطفال وأعمال أخرى مهينة بما تمثله من مخاطر اجتماعية أخرى.
وأكدت المفوضية أن هناك 12 مليون سوري بحاجة إلى المساعدة للبقاء على قيد الحياة، كما أن ملايين الأطفال يعانون من صدمات نفسية ومشاكل صحية، وأن نصف الأطفال لا يتمتعون في بلدان اللجوء بالتعليم، وأن 2.4 مليون طفل لا يحصلون على التعليم داخل البلاد.

سوريا تموت
الناشط الحقوقي الدكتور عادل عبد الله، عضو المرصد للحقوق والحريات، قال إن السوريين يعانون في البلدان التي لجئوا إليها هرباً من جحيم بشار الأسد، مضيفاً أن المشاكل التي تُحيط بالبلدان العربية اقتصادية وسياسية جعلت تلك الدول تنفر من وجود سوريين بأراضيها بحجة تهديد استقرار تلك الدول.
وأوضح عضو المرصد للحقوق والحريات لـ"مصر العربية" أن التهديد الأساسي ليس من السوريين، إنما التهديد على مشردي سوريا أنفسهم من مخاطر الدول التي يتواجدون بها، مشيراً إلى أن الأمم المتحدة الجهة الأولى المهتمة بمساعدة اللاجئين تُعاني من نقص في التمويل، ما جعلها تُقلص مساعداتها الغذائية.
وتابع: أن الخليج تخلى عن مساندة اللاجئين العرب، قائلاً إن سوريا تموت ولا أحد يتحرك.
أزمة إنسانية
من جهته، قال المفوض السامي أنطونيو غوتيريس إنه "كان يجب أن تحرك هذه الأزمة الإنسانية - وهي الأسوأ في عصرنا - موجة كبيرة من الدعم، إلا أن المساعدات تتضاءل، وليس هناك ما يكفي منها لتلبية الاحتياجات الواسعة.
وأضاف: "لقد أصبحت الأزمة السورية أكبر حالة طوارئ إنسانية في عصرنا الراهن، ورغم ذلك، فإن العالم يخفق في تلبية احتياجات اللاجئين والدول المضيفة لهم".
وشدد: على أنه ثمة حاجة إلى بذل المزيد من الجهود من أجل إخراج السوريين من "كابوس معاناتهم"، مشيراً إلى أنه بعد سنوات في المنفى، يستنفد اللاجئون مدخراتهم ويلجأ عدد متزايد منهم إلى التسول وإلى الجنس من أجل البقاء، وإلى عمالة الأطفال. وتعيش العائلات من الطبقة الوسطى التي لديها أطفال بصعوبة في الشوارع، وقد قارن أحد الآباء حياته كلاجئ بالعالق في الرمال المتحركة، كلما تحركت غرقت أكثر.
وتابع: يتعين أن تحرك هذه الأزمة الإنسانية التي هي الأسوأ في عصرنا هذا موجةً كبيرة من الدعم، إلا أن المساعدات تتضاءل. ومع نقص التمويل للنداءات الإنسانية، ليس هناك ما يكفي من المساعدات لتلبية الاحتياجات الواسعة، وما من دعم إنمائي كافٍ للبلدان المضيفة الغارقة تحت الضغط الذي يفرضه ارتفاع عدد اللاجئين.
ولفت إلى أنه مع التدفقات الجماعية للاجئين السوريين في الأعوام الأربعة الماضية، باتت تركيا الآن أكبر بلد مضيف للاجئين في العالم، وقد أنفقت أكثر من ست مليارات دولار أمريكي كمساعدات مباشرة للاجئين.
نداءات أممية
وكانت الأمم المتحدة أطلقت نداء للحصول على تمويل بقيمة ثمانية مليارات دولار لتغطية الاحتياجات الأساسية للاجئين مع مساعدة البلدان المضيفة بدعم خدماتها والبنى التحتية فيها.
وأكد تقرير لمنظمات إغاثية دولية منذ أيام أن عمليات التمويل للأغراض الإنسانية تناقصت، إذ تم توفير 71% من الأموال اللازمة لدعم المدنيين داخل سوريا واللاجئين في الدول المجاورة عام 2013، لكن النسبة تراجعت عام 2014 إلى 57% فقط.
وأفادت المفوضية العليا لشئون اللاجئين في تقرير سابق بأن نصف اللاجئين السوريين في دول الجوار لم تلبَّ احتياجاتهم الأساسية بسبب تراجع الموارد، وطالبت في نداء أطلقته في ألمانيا بتوفير 8.4 مليارات دولار من أجل مساعدة قرابة 18 مليون شخص في سوريا والمنطقة كلها خلال العام 2015.
يذكر أن ما لا يقل عن 3.7 ملايين شخص نزحوا من سوريا جراء الصراع القائم منذ نحو أربعة أعوام، وهم مسجلون رسمياً كلاجئين، ويوجد منهم في الأردن 622 ألفا، وفي لبنان 1.16 مليون، إضافة إلى 1.6 مليون في تركيا، و233 ألفا في العراق.