04 شباط , 2015 - 04:44 التصنيف: خاص - المصدر / الكاتب: نادين جوني
أظهرت التقارير الصادرة عن مفوضية الأمم المتحدة ومنظمة اليونيسيف أنّ 52% من مجمل النازحين السوريين في لبنان هم من الأطفال. ومن بين هؤلاء هناك فئة "الأطفال المنفصلين" الذين قارب عددهم الخمسة آلاف طفل مع نهاية العام 2014، حسب ما أفادت التقارير الدولية. والطفل المنفصل هو من توفي والداه في الحرب أو فُقدا، ويحصل على الرعاية من أحد أفراد عائلته أكان جدته أو جده أو عمته أو أي قريب. وهؤلاء الأطفال يعانون من أوضاع نفسية واجتماعية صعبة وانتهاكات كثيرة لحقوقهم.
حالة الأطفال المنفصلين تتكرر مع كل حرب أينما وجدت. فأطفال سوريا لم يخسروا علمهم وبيوتهم فقط، بل خسروا أسرهم وعطف والديهم وحضنهم، وبالتالي يحاول بعض أقارب هؤلاء التعويض، أقله بالإهتمام، خسارة الأهل.لا يتذكر حسين إبن الأربع سنوات والديه الذين توفيا في حلب، جراء قصف استهدف منزلهم وأصيب حسين فيه، ولا يزال حتى اليوم بحاجة لعملية للشفاء. بعد وفاة والديه اصطحبه عمه الذي قرر أن يتكفل به ويرعاه، إلى لبنان، حيث يقطن وعائلته المؤلفة من خمسة أفراد، في كترمايا، في غرفة واحدة لا تتوفر فيها أدنى الشروط المعيشية، فهو بالكاد يملك المال لتحمّل المصاريف. يروي بحرقة كيف أنّ حسين لن يعرف والديه و كيف ترعاه زوجة عمه بالحنان وتحيطه بالحب الكامل، هو الذي يناديها ماما ولا يعرف أبدًا أنها ليست من أرضعته وليست من حملت به ولكنها رغم هذا ستربيه كما لو كان أحد أطفالها. يلعب حسين بالطابة ولا يعلم أنّ الحرب لعبت بمصيره كما لم يتمنّ والداه.
في المغيرية، تجلس روان إبنة الرابعة عشر التي لم تستطع من سنة أن تنسى كيف توفي والداها قنصًا في السيارة أثناء محاولتهم الفرار إلى لبنان مع إخوتها الأربعة. لا تزال حتى اليوم تستيقظ مرتعبةً في الليل تصرخ مما تتذكره. لا تقل حالتها سوءًا عن حالة إخوتها البنات اللواتي يعانين من مشاكل نفسية. قررت خالتهم التي لم تنجب أطفالًا الإهتمام بهنّ هي وزوجها. اليوم يقدمان كل ما هو مطلوب لهنّ في محاولةٍ لتأمين كل حاجاتهنّ. تحتضن ميرفت خالة الفتيات سحر الفتاة الصغرى والتي تبلغ من العمر أربع سنوات والتي اعتادت أن تنادي خالتها بماما، وتقول لـ"سلاب نيوز": من الصعب جدًا ما حدث للفتيات، فقد خسرن الأم والأب في لحظة واحدة، وكنّ شهودًا على الحادثة وتغيرت حياتهن ومصيرهن ومستقبلهن برصاصة وبلحظة، بالوقت الذي كانوا يحاولون الفرار للنجاة من الحرب وحماية الفتيات.
"لا أتخلى عن لحمي" هكذا تختصر فاطمة التي قررت احتضان حفيدها يزن، الذي يبلغ من العمر ثلاث سنوات، بعد وفاة والديه في انفجار في حمص، هو الذي يعاني من مرض مزمن في الكلى وهي التي تسعى جاهدة لتأمين العلاج له، لا تترد في النوم جائعة، فقط لتؤمن له الحليب والدواء، هي التي قبلت عائلة أخرى استضافتها لعدم قدرتها على دفع الإيجار، تردد "هو كل ما بقي لي من عائلتي" فكيف لا أحرم نفسي لأعطيه؟ ألا يكفي ما حرم منه؟ ألا يكفي أنه وحيد في هذه الحياة، لا أحد يعرف مصيره! ماذا لو مت الليلة؟ من سيعتني بحفيدي؟!". ليس هناك من جواب!..
الكثير من الجدات اللواتي رغم كبر سنّهنّ وعدم قدرتهنّ على تربية الأطفال، يتمسكن بأحفادهن ويحاولن جاهدات تأمين مستلزماتهم، كوفاء التي تعتني بحفيدتها لابنتها، إسراء ابنة العشر سنوات، هي التي تعمل في البيوت في الناعمة لتأمين احتياجات الطفلة دون الحاجة لأحد. تروي الجدة كيف فقد ابنها وزوجته في حلب دون أن تراهما بعدما قاما بإرسال إسراء عند جدتها في الشام مع اشتداد المعارك في زملكا وبقيا هناك مع أختها الأكبر، وبعد شهرين انقطع الإتصال بهم وتأكد خبر هدم منزلهم ولكن دون القدرة على التأكد من وفاتهم. إسراء التي حدثتنا بثقة: أهلي لا يزالون في زملكا ولكن لا يمكننا الإتصال بهم. لا خطوط هناك، أشتاق إليهم كثيرًا لكننا نعلم أنهم بخير. جدتها لم تستطع أن تروي لها أنهم مفقودون، وإسراء لا تزال بانتظار عودة أهلها!
ليست إسراء وحدها من تأمل بعودة أهلها، فالكثير من الأطفال لا يعلمون عن وفاة ذويهم لصغر سنهم، أو بالتعبير الأدق ﻷنهم لم يتسنَّ لهم بعد معرفتهم حتى. كمعتصم ابن الثمانية أشهر والذي خسر والديه عندما كان عمره شهر واحد. وتقوم عمته منذ ذلك الحين بتربيته، غصتها الوحيدة أنه لم يرضع من حليب والدته وتقول "أتمنى أن أحسن تربيته وأن لا يحتاج أي شيء... أؤمّن له كل شيء، ولكنه لم يتسنَّ له أن يشبع من حليب والدته". تدمع عيناها وتضمه إليها.
يحصل الكثير من هؤلاء الأطفال على الدعم والمساعدات من المفوضية العليا لشؤون اللاجئين والمنظمات التي تهتم بشؤون الأطفال. ولكن يعلم كل من يعرف قصصهم أن لا أحد قد يعوض لطفل فقدان والديه وانسلاخه عن أسرته، وتنحصر ذكريات هؤلاء بالموت والدم، فيرسمون جثثًا ورصاص وقنابل وطائرات و بيوت مدمرة وطريق يقفون في وسطها مجهولة المصير، بدل أن يرسموا الصورة النمطية للطفل: اﻷم والأب والأطفال والبيت السعيد. أطفال سوريا يختصرون مقولة لا وطن، لا بيت، لا أم، لا أب وحدودهم الغربة.