تمارا الرفاعي : الحياة

أنظر إلى التوائم الثلاثة ذلك الصباح من خلال الشاشة. حديثو الولادة يرقدون تحت أغطية ثقيلة لا تظهر منهم سوى وجوههم الصغيرة بنظراتهم الثاقبة على رغم أن عمرهم لم يتعد الأيام القليلة. أحدق فيهم متسائلة عن قصتهم، غير متوقعة أن يكونوا قد حصدوا هذا الكم من الشقاء في أول ساعات حياتهم. أخذتني صورتهم إلى موقع مفوضية الأمم المتحدة للاجئين التي نشرت قصتهم، فقد ولد رياض وأحمد وخالد يوم رأس السنة لوالدين لجأ إلى منطقة البقاع في لبنان هرباً من النزاع في سورية. ولد التوائم الثلاثة في الوقت الذي اجتاحت فيه عاصفة ثلجية منطقة البقاع، ساهمت بتردي حالة أمهم الصحية فغادرت روح أمل جسدها تاركة وراءها ثلاثة أولاد بحاجة أن يدخلوا الحاضنة، وهو أمر لا تستطيع الأسرة اللاجئة أن تؤمن نفقاته.

وفي حين أخذت وكالات الإغاثة الدولية على عاتقها معظم تكاليف الحاضنات الثلاثة، فقد تبرع أفراد سمعوا بالقصة بباقي المبلغ وتمكن الإخوة من الحصول السريع على العناية الطبية التي قد تساعدهم على البقاء أحياء رغم ظروفهم القاسية. ولكن خلف التجاوب السريع من قبل المتبرعين، وهو الجانب المشرق الوحيد في هذه القصة، تبقى جوانب مظلمة عديدة أهمها عدم انفراد هذه العائلة بهذه المعاناة المأسوية، خصوصاً مع شح المساعدات المتوافرة اليوم لمن فر من سورية مقارنة بحجم الاحتياجات، والتراجع المؤسف في مستوى التعاطف مع محنتهم، بخاصة وهم يتحولون إلى أرقام وسط الملايين من اللاجئين والفارين من جحيم النزاع.

قصة أمل ليست قصة فريدة فهناك نصف مليون امرأة حامل بين ملايين السوريات اللاتي اضطررن لترك بيوتهم وبلداتهم ومدنهم. هربت أمل وأسرتها من منطقة سراقب في ريف حلب، فارين من قتال عنيف أجبر الكثيرين على الرحيل. وكانت أمل حين حبلت بالتوائم أماً لثلاثة أطفال تبلغ أعمارهم ثلاث سنوات وسنتين وسنة، مما يعني أن الأم الشابة قد حبلت كل سنة منذ كانت في الثالثة عشرة من العمر، وهو عمر يجعل منها طفلة بموجب القانون الدولي (الذي يعرف الأطفال بمن هم دون الثامنة عشرة). لم تتحمل أمل العبء المتكرر وتهاوت تحت هذه المظالم المتعاقبة من تزويجها وهي طفلة وحملها المتكرر ثم انهيار مجتمعها من حولها، وفي النهاية إنهار جسدها الضئيل.

تلعب العوامل الثقافية والمجتمعية والدينية في أغلب الأحوال دوراً كبيراً في زواج الصغار ممن هم دون الثامنة عشرة وهي السن القانونية للزواج في الكثير من البلدان حول العالم وفي المنطقة، كما تؤثر هذه العوامل على قرارات إنجاب الأطفال. وفي حالة أمل، فقد اجتمعت ظروف اللجوء القاسية مع ضعف صحتها بسبب الحمل المتكرر وصغر سنها، إضافة إلى ظروف ولادتها ومكوثها في خيمة وسط عاصفة ثلجية، وصعوبة وصولها إلى أي مرفق طبي قريب، فأدت جميعها إلى وفاتها المأسوية.

كثيراً ما حاولت وكالات التنمية والمنظمات الإنسانية معالجة قضايا الزواج المبكر ومسائل تنظيم الأسرة عن طريق إظهار العواقب الصحية البدنية والنفسية على المرأة في حالة حملها المبكر والمتكرر، فصندوق الأمم المتحدة للسكان مثلاً يعمل في شكل مكثف على موضوع الصحة الإنجابية بجميع أبعاده بهدف ضمان سلامة كل ولادة وسرعة حصول النساء اللاتي يواجهن مضاعفات ما بعد الولادة على الرعاية التوليدية الطارئة التي يمكن أن تنقذ حياتهن. كما تركز المنظمات المختلفة على توعية الرجال والنساء بأهمية التخطيط المتأني لحجم أسرهم تماشياً مع ظروفهم المعيشية والصحية. وتكتشف النساء خلال جلسات التوعية هذه أنه، وبعكس بعض المفاهيم الثقافية والاجتماعية السائدة، بإمكانهن بل من حقهن أن يقررن عدد الأطفال والمدة الزمنية بين كل حمل، من دون أي يؤثر ذلك على قدرتهن على الإنجاب. فمن حقهن اختيار الوقت الذي يرغبن في الإنجاب فيه وعدد مرات الحمل.

وتتعلم النساء هذه المفاهيم خلال الاجتماعات مع القابلات والمتخصصات الاجتماعيات في إحدى العيادات أو المراكز التي تدعمها المنظمات الإنسانية مثل صندوق الأمم المتحدة للسكان أو المنظمات المحلية المعنية بالتنمية والسكان والصحة، فتجدن في هذه المراكز مكاناً تنسجن فيه صداقات وتحصلن فيه على مشورة طبية تساعدهن في اتخاذ القرارات وضمان الولادة الآمنة للأطفال. أسوأ ما في قصة أمل وتوائمها الثلاثة هو أن تفادي وفاتها بهذه الطريقة كان ممكناً لو كانت قد حصلت على رعاية توليدية طارئة سريعة. ولذلك، فمن أولويات عمل وكالات الإغاثة أن تتعاون، كل بحسب خبرتها، على دعم الوحدات الطبية المحلية في البلاد التي تعمل فيها لتمكنها من مواجهة موقف كالذي حدث لأمل، وبذلك تتجنب وفاة امرأة أخرى بسبب نقص الرعاية بعد الولادة. يتعين إذاً على المنظمات الإنسانية العاملة في أوساط اللاجئين أن تتعاون في شكل أوثق مع المنظمات المحلية وتدعمها بهدف محاولة تغيير بعض الممارسات مثل الزواج المبكر وحالات الحمل المبكر والمتكرر.

ألقت الأزمة السورية بظلالها على المنطقة، وأنتجت مآسي إنسانية يشهدها العالم في شكل حي يومياً. فمن بين 12.2 مليون سوري متضررين بسبب استمرار النزاع، يبلغ عدد النساء في سن الإنجاب أكثر من ثلاثة ملايين امرأة، بما في ذلك حوالى نصف مليون امرأة حامل حالياً. وقد ساهم انسحاب المانحين وما يسمى بملل وسائل الإعلام فضلاً عن تسييس النقاش الإنساني حول سورية في تدهور حال السوريين الذين يحتاج نصفهم إلى الدعم الإنساني من أجل البقاء أحياء.

لا يمكن حل الأزمة السورية عن طريق المساعدات الإنسانية حتى لو تم التوصل إلى خطة عمل إنسانية شديدة الفعالية. فحل هذه الأزمة، كما كل الأزمات سيكون حلاً سياسياً. لكن بانتظار توافق الظروف التي قد تتيح حلاً للأزمة، سيبقى المدنيون من يدفع الثمن الأعلى للنزاع، وسيظلون الضحايا الأوائل لتقشف المانحين وتقليص المساعدات. لذا، وبانتظار الحل السياسي، يتعين على المانحين ووكالات الإغاثة الإنسانية والوحدات الطبية المحلية العمل معاً في شكل أفضل لمصلحة أطفال لجأوا من سورية فزادوا الضغط على المنشآت الطبية في بلد اللجوء. فمن حظ رياض وأحمد وخالد أنهم وجدوا متبرعين قدموا لهم المساعدة لإنقاذ حياتهم، لكن ما عدد الأطفال ممن لن يجد حتى ما حصل عليه أولئك التوائم الثلاثة من مساعدة؟

* خبيرة في الشؤون الإنسانية وحقوق الإنسان

JoomShaper