الشيخ. علي بن مختار بن محمد بن محفوظ
هل سرقت منا الأوقات في رمضان هذا العام؟
نحمد الله تعالى أن بلغنا رمضان، وقد أوشك الشهر على الانقضاء، ومازلنا منشغلين بتتابع الأحداث الكثيرة، والتأثر بكثرة الأخبار الحزينة من سفك دماء الأبرياء، وكثرة القتلى والمصابين الشرفاء، فحتى لا يسرق منا رمضان في هذه الانشغالات، وبعض الناس ينشغل بأمور أخرى أقل شأنا من تتبع الأحداث، فهل نستيقظ قبل فوات الأوان؟
وإن كانت متابعة الأحداث والاهتمام بأمر المسلمين ليس عيبا، بل هو أمر مستحب، لعلنا على الأقل أن ندعو للمصابين بالشفاء، وللقتلى بنيل أجر الشهداء، وللمبتلين بالمعافاة، وللمهمومين بأن يفرج الله عنهم الهموم، ويزيل عنهم الكروب، ويسلم بلاد المسلمين من هذه الخطط، وينجي بلدان الربيع العربي من المؤامرات التي تحاك ضدهم.
وفي رمضان هذا العام كانت المصائب عديدة، والأحداث عنيفة في عدة بلدان، ففي مصر وقعت مجزرة أمام الحرس الجمهوري وفي المنصورة وقعت مجزرة بحق نساء وفتيات ..، والاعتداء على المعتصمين المسالمين بالقاهرة والإسكندرية ووصل عدد القتلى إلى200 قتيل وأكثر من 4500 جريح في مجزرة...  وفي فلسطين تستمر الابتلاءات، وحتى في القدس يستمر منع المصلين وفرض القيود عليهم، فقد وضع الكيان الصهيوني  قيودا على الصلاة بالمسجد الأقصى.
وفي سورية يستمر الظلم والقصف، والاعتداء والهدم حتى على بيوت الله فالنظام السوري يدمر 1450 مسجداً في سورية بعضها يعود لمئات السنين.  وحتى في الصين فالـ التعنت الشيوعي يمنع مسلمي الويغور من الصيام!.
وليس أمامنا إلا أن نحاول أن نجتهد في الأيام المتبقية من رمضان، بل ونحرص على زيادة الاجتهاد في العشر الأواخر من رمضان ونحاول أن نستدرك أنفسنا قبل أن تضيع أغلب الأوقات، ولم نستفد جيدا من الشهر الكريم.
من العيب عدم استثمار الأوقات:
وأما العيب الذي نقصده ففي عدم محاولة الاجتهاد في الطاعات، وعدم الحرص على الاستدراك لما فات؛ وذلك لأن بعض الناس ينشغل انشغالا تاما بالأحداث، ومتابعة الأخبار، والتنقل بين القنوات، وقراءة التحليلات، والسير وراء التوقعات، وإشغال النفس بمعرفة الآراء، وتتبع التوقعات، والتطلع للسيناريوهات بعد النجاح في المؤامرات، ومنها عزل الرئيس المصري المنتخب، والانشغال  بدارسة الاحتمالات، والفتوى بغير علم، والاجتهاد بلا دليل، وكل فريق أو كل شخص يجمع الأدلة على صدق كلامه، وضعف كلام الآخرين، ويدخل المسلم في جدال غير مفيد، وحوار طويل مع الآخرين بلا فائدة، ويحضر مناقشات كثيرة لا طائل من ورائها، وتضيع الأوقات في هذه المجادلات العقيمة، وفي المناقشات الحادة التي تقسي القلب وتبعد المسلم عن الطاعة، بل وعن حضور الصلوات في جماعة، وينشغل بهذه الملهيات، إضافة للانشغالات اليومية، فيحدث التقصير في الاستعداد لرمضان، أو في التنافس في الطاعات أثناء شهر رمضان، وتأتي العشر الأواخر ولا يزال منشغلا عن هذه الطاعات الجليلة، ولا ينشغل بالاجتهاد في الحلول التي أرشدنا إليها الإسلام، ومنها: محاسبة النفس، والإخلاص في اللجوء إلى الله تعالى بالدعاء، والصدق في حسن التوجه إليه سبحانه خاصة في أفضل الأوقات لاستجابة الدعاء وحل المشكلات، وهو وقت السحر أفضل الأوقات لحل المشكلات(1).
هل انشغل الرسول صلى الله عليه وسلم عن الاجتهاد في العشر الأواخر؟
وإلى كل هؤلاء نذكر أنفسنا وإياهم بأن الرسول صلى الله عليه وسلم، وخلال عشر سنوات مدة إقامته في المدينة، والتي كان يمارس فيها أعمالا عظيمة، ويقوم بمهام عديدة لإدارة الدولة، وقيادة الجيوش، وتجهيز الغزوات، فقد شارك بنفسه في قرابة 28 غزوة، إضافة لمسؤولياته كأب ورب أسرة، فهل منعته كل هذه المهام عن الاجتهاد في العشر الأواخر من رمضان ؟.
فقد "كان النبي صلى الله عليه وسلم يجتهد في العشر الأواخر من رمضان، ما لا يجتهد في غيرها" رواه مسلم، ومن أهم أسباب ذلك تحري ليلة القدر، والتي هي خير من ألف شهر، فكيف نتغافل عنها، وننشغل بغيرها، وقد أنزل الله تعالى في شأنها سورة تتلى إلى يوم الدين، وذكر فيها شرف هذه الليلة وعظَّم قدرها، فقال تعالى: "إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ، لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ، تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ، سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ"سورة القدر.  فقوله تعالى: (وما أدراك ما ليلة القدر) تنويهاً بشأنها، وإظهاراً لعظمتها. (ليلة القدر خير من ألف شهر) أي: إحْياؤها بالعبادة، وهي خير من عبادة ثلاث وثمانين سنة، وهذا فضل عظيم لا يقدره قدره إلا رب العالمين تبارك وتعالى، وفي هذا ترغيب للمسلم وحث له على قيامها وابتغاء وجه الله بذلك، ولذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يلتمس هذه الليلة ويتحراها للتسابق إلى الخير، وهو القدوة للأمة، في تحرّى ليلة القدر، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف فيها ليتفرع للعبادة، وينقطع للطاعة، ولا ينشغل بغير ذلك، حتى يتحرى ليلة القدر، وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم: "كان إذا دخل العشر أحيا الليل وأيقظ أهله وشد مئزره" رواه البخاري ومسلم، و زاد مسلم: وجَدَّ وشد مئزره.
وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الغفلة عن هذه الليلة وإهمال إحيائها، فيحرم المسلم من خيرها وثوابها، فيقول لأصحابه، وقد أظلهم شهر رمضان: "إن هذا الشهر قد حضركم، وفيه ليلة خير من ألف شهر، من حُرِمَها فقد حُرِم الخيرَ كله، ولا يُحرم خيرها إلا محروم" رواه ابن ماجه وحسنه الألباني.
الله سبحانه وتعالى الرحيم بعباده:
ومن رحمة الله تعالى بنا أنه أرشدنا للأعمال التي تقربنا إليه، وجعلها سهلة ميسورة، وهي التقرب إليه بما فرضه علينا من فرائض ونوافل وطاعات، وبأعمال يسيرة يتم بها مغفرة الذنوب، ومحو بها السيئات، ومن أهمها في هذا الشهر الكريم قيام الليل قال سول الله صلى الله عليه وسلم "من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه" (متفق عليه)، إضافة للصيام قال سول الله صلى الله عليه وسلم: ""من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه" (متفق عليه).
الأعمال بالخواتيم:
و بعض الناس يهتم بالقيام من بداية شهر رمضان ويتحمس لأداء صلاة التراويح، ثم إذا جاء مسك الختام في العشر الأواخر نجده يتكاسل وينشغل بالاستعداد للعيد، ويتأخر عن القيام، وبعض الناس ينشغل بأعمال أخرى، وينصرف عن العبادة، مع العلم أن الأعمال بالخواتيم كما قال سول الله صلى الله عليه وسلم: "الأعمالُ بالخَوَاتِيمِ" رواه البخاري، وإذا نظرنا لسنة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم لوجدنا أنه كان يهتم بهذه العشر الأواخر من رمضان اهتماما بالغا، ويجتهد فيها أكثر من غيرها من بقية أيام الشهر، وذلك التماسا لليلة القدر، وفضل هذه الليلة عظيم لمن أحياها، وإحياؤها يكون بالصلاة، و قراءة القرآن، والذكر، والاستغفار، والدعاء من غروب الشمس إلى طلوع الفجر، مع صلاة التراويح والتهجد في وقت السحر إحياء لها.
التقرب إلى الله تعالى بما افترضه علينا:
فهل نقتدي بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، ونجتهد في أداء ما افترضه علينا سبحانه وتعالى، قال سول الله صلى الله عليه وسلم: "وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيءٍ أحبَّ إليَّ ممَّا افترضتُ عليه، وما يزالُ عبدي يتقرَّبُ إليَّ بالنَّوافلِ حتَّى أُحبَّه.." رواه البخاري، ونتقرب إليه بأداء العبادات بإخلاص، مع الحرص على فعل الطاعات التي فيها مغفرة الحسنات، فقد أرشدنا الله تعالى لهذه الأوقات رحمة بنا، فلماذا لا نستثمر هذه الفرص العظيمة، ونجتهد في قيام الليل بصلاة التراويح، والقيام للتهجد في جوف الليل وقت السحر، وهو أفضل الأوقات لاستجابة الدعاء، ونجتهد في التفرغ للعبادة في هذه العشر الأواخر والتي كان يتفرغ فيها النبي صلى الله عليه وسلم للعبادة بإحياء سنة الاعتكاف.
وكان السلف الصالح يعتنون في رمضان كله بالطاعات، والتسابق إلى الخيرات ويتفرغون في معظم شهر رمضان لقراءة القرآن والطاعة، والعبادة؛ لأنهم عرفوا خصائص الشهر الكريم وفضائله، ولأنهم عظموا الرب سبحانه وتعالى، وعلموا أن الدنيا فانية والعمر قصير، فالعمل الصالح هو النافع، يوم لا ينفع مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم، وكانوا يعتنون بالعشر الأواخر ويجتهدون فيها اجتهادا كبيرا اقتداء بسنة النبي صلى الله عليه وسلم.
فينبغي على المسلم الاقتداء بهدي  النبي صلى الله عليه وسلم فإنه هو الأسوة والقدوة، والعمل بجدية في العشر الأواخر، والجِدّ والاجتهاد في عبادة الله، وألا يضيّع ساعات هذه الأيام والليالي، فإن المرء لا يدري لعله لا يدركها مرة أخرى باختطاف هادم اللذات ومفرق الجماعات، فالموت الذي هو نازل بكل امرئ إذا جاء أجله، وانتهى عمره، فحينئذ يندم حيث لا ينفع الندم.
الاعتكاف.. زاد على طريق الطاعة!
ومن الأمور التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يحض عليها في العشر الأواخر الاعتكاف: أي الانقطاع للعبادة والتفرغ للطاعة، والاجتهاد في القيام والتهجد وقراءة القرآن، والذكر والدعاء والاستغفار، "وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف في كل رمضان عشرة أيام، فلما كان العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين يوماً.." رواه البخاري.

JoomShaper