أمة الله محمود أم تسابيح(*)
أشعر بتقصيري هذا العام، وقبل دخول رمضان؛ لأني لم أستعد جيدا لاستقبال رمضان، وانشغلت كما انشغل الكثيرون بمتابعة الأحداث الكثيرة التي أصابت المسلمين في مصر(1) من سفك دماء الأبرياء، وكثرة المصابين، ومقتل أكثر من 50 معتصما .
وفي القدس كيف وضع الكيان الصهيوني  قيودا على الصلاة بالمسجد الأقصى، وفي سورية يستمر الظلم والقصف، والاعتداء حتى على بيوت الله فالنظام السوري يدمر 1450 مسجداً في سورية بعضها يعود لمئات السنين، وحتى في الصين فالـ التعنت الشيوعي يمنع مسلمي الويغور من الصيام!، وإن كانت متابعة الأحداث والاهتمام بأمر المسلمين ليس عيبا، بل هو أمر مستحب، لعلنا على الأقل ندعو لهم بأن يفرج الله عنهم الهموم ويزيل هذه الكروب، ولكن العيب في الانشغال التام بذلك، إضافة للانشغالات اليومية، فيحدث التقصير في الاستعداد لرمضان.
ودخل الشهر الكريم، ومازلنا منشغلين بتتابع الأحداث، وكثرة الأخبار الحزينة، وليس أمامنا إلا أن نعتذر ونتأسف، ونحاول أن نستدرك أنفسنا قبل أن تضيع أغلب الأوقات، ولم نستفد جيدا من شهر رمضان، فهل نقدم هذا الاعتذار إلى الشهر المبارك .
أقول هذا وقد سمعت خاطرة أثرت في نفسي(2)، وهي التحلي بصفة طيبة لو عملنا بها لما كانت هناك شحناء، بيننا، و من الممكن أن يختفي الكره أو البغض، ويسود الاحترام بين الجميع. إنها صفة حميدة تمنيت لو وجدت فينا جميعا، أو تربينا عليها منذ نعومة أظفارنا، وينبغي أن نرسخ هذه الصفة في أخلاقنا، ونحاول أن نتحلى بها، خصوصا أننا في شهر رمضان، الشهر الذي نجاهد فيه أنفسنا لنتحلى بالأخلاق الفاضلة، ونتخلى عن الأخلاق السيئة، قالَ رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "وإذا كان يومُ صومِ أحدِكُم فلا يَرْفُثْ ولا يَصْخَبْ، فإنْ سابَّه أحدٌ أو قاتَلَهُ فلْيقلْ: إنِّي امْرُؤٌ صائمٌ" متفق عليه. تعويد اللسان على الاعتذار:
وكلمة الاعتذار من الكلمات التي ينبغي أن نعود ألسنتنا عليها، وأن نقنع أنفسنا أن هذه الكلمة ليس فيها إهدار لكرامة المرء، أو ليس فيها التقليل من شأنه، أو قلة احترامه، فالاعتذار لا يُسقط الهيبة، وأجمل الاعتذارات عندما تكون شجاعا، أو تكون في موطن قوة، وتتحلى بهذه الصفة الحميدة شجاعة الاعتذار..!. أن تعتذر لطفلك، أو لزوجك، أو لتلميذك، أو لعاملك، أو تعتذر لنفسك.  وهذه الكلمة استفادت منها شعوب الغرب، ونسيتها مجتمعاتنا العربية على الرغم من أنها موجودة في الهدي النبوي قبل أن تكون ثقافة عالمية.
الاعتذار في الهدي النبوي:
تذكرت أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عدَّلَ صفوفَ أصحابِه يومَ بدرٍ، وفي يدِه قدحٌ يعدِّلُ به القومَ، فمرَّ بسوادِ بنِ غَزيَّةَ حليفَ بني عدي بنِ النَّجارِ وهو مُسْتنتِلٌ من الصفِّ، فطعن في بطنِه بالقدحِ، وقال: استوِ يا سوادُ. فقال: يا رسولَ اللهِ: أوجَعْتَني وقد بعثك اللهُ بالحقِّ والعدلِ فأقِدْني. قال: فكشف رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ عن بطنِه وقال: استقِدْ، قال: فاعتنقَه فقبَّل بطنَه. فقال: ما حملكَ على هذا يا سوادُ؟ قال: يا رسولَ اللهِ حضَر ما ترى، فأردتُ أن يكون آخرُ العهدِ بك أن يمَسَّ جلدي جلدَك، فدعا له رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بخيرٍ وقال له: "استوِ يا سوادُ"(راجع الحديث في سيرة ابن هشام، والبداية لابن كثير، وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة).
ولم يكتفِ نبي الله- صلى الله عليه وسلم- بأن يُخرج بطنه اعتذارًا من لكزته لصاحبه ليقتصَّ منه، بل قال قولا عاما أو وضع قاعدة عامة: "أيُّما رجلٍ مِن أمتي سبْبتُه سُبَةً، أو لعنْتُه لَعنةً في غضبي؛ فإنما أنا مِن ولدِ آدمَ، أغضب كما يَغضبون، وإنما بعثني رحمةً للعالمين، فاجعلُها عليهم صلاةً يومَ القيامةِ"رواه أبو داود وصحح الألباني.
الاعتذار ثقافة عالمية:
أو ثقافة الاعتذار منتشرة في العالم، فقد اعتذر عدد من الزعماء والرؤساء منهم إمبراطور اليابان، و نيكسون رئيس أمريكا، وكذلك كلينتون، كل هؤلاء اعتذروا لشعوبهم. وبعض الناس أو الحكام يتعالى ويتكبر، ولا يبادر بالتوبة أو بالاعتذار إلا بعد أن يدركه الغرق كما وقع لفرعون "وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ، فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ"سورة يونس.
كيف نعود أنفسنا على الاعتذار
نعتقد و نؤمن أولا أن عدم الاعتذار من الصفات التي تدل على التكبر، والتعالي، واتباع الهوى، واتباع الشيطان.
فمن الصفات الطيبة، و من الأخلاق المحمودة الاعتراف بالخطأ، والاعتذار وعدم الترفع أو التعالي، أو التكبر وهذه سنة إبليس: "وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ" سورة البقرة، واعتذر أدم وندم وتاب بعد أن اتبع الشيطان: "وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ، فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ، فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ" سورة البقرة.
وفي ختام سورة ص بيان سبب عدم اعتذار الشيطان وهو الإصرار على الذنب بسبب الكبر والتعالي وبسبب القياس الفاسد: "إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ، فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ، إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ، قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ، قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ، قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ، وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ، قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ، إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ، قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ، إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ"سورة ص من 73ـ 82.

وثانيا: أن الاعتذار والاعتراف بالذنب من صفات المؤمنين، ويعتبر من أهم أبواب الدين، فالاعتذار يدخل تحت أبواب التوبة إلى الله والاستغفار، فمن أعظم الاعتذار هو الاعتذار لله تعالى، قال عزّ وجلّ: "وَآخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ" سورة التوبة،  و قد يكون الاعتذار خاصا بالآخرين، والتوبة تكون لله تعالى، ومن شروط التوبة رد المظالم لأهلها، والتحلل من حقوق البشر، فالتوبة أعم وأشمل، والاعتذار خلق  تظهر فيه السماحة والعفو، وكسب قلوب الآخرين، والحرص على صفاء النفوس، والمسلم الحق هو من يبادر إِلَى تَقْدِيمِ الْعُذْرِ عَمَّا قَالَ أَوْ فَعَلَ، بَلْ رُبَّمَا يَكُونُ هُوَ الْمُعْتَدَى عَلَى حَقِّهِ, وَلَكِنَّهُ يُبَادُرِ إِلَى رَدِّ الإِسَاءَةِ بِالإِحْسَانِ؛ امْتِثَالاً لِقَوْلِ الْعَفُوِّ الرَّحْمَنِ, الرَّحِيمِ الْمَنَّانِ: "وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ"  سورة فصلت:34- 35.
فالاستغفار والتوبة ما هي إلا اعتذار وندم عما بدر من تقصير في حق الله تعالى، وقد شرع الله تعالى لنا (الكفارات) لكي نكفر عن ذنوبنا، فهي كالاعتذار عن الأخطاء الغير مقصودة لتكون التوبة نصوحة، مثل القتل الخطأ، وغيرها.

ثالثا: هل نتدرب على الاعتذار في رمضان هذا العام:
لكي نتعود على ثقافة الاعتذار لابد من استثمار شهر رمضان للتخلق بهذا الخلق الفاضل، ففي رمضان ندرب أنفسنا على عدم الغضب والانفعال، ونجاهد أنفسنا لكي لا ترد على من يسب أو يشتم، قالَ رسولُ اللهِ  ـ صلى الله عليه وسلم ـ: "وإذا كان يومُ صومِ أحدِكُم فلا يَرْفُثْ ولا يَصْخَبْ، فإنْ سابَّه أحدٌ أو قاتَلَهُ فلْيقلْ: إنِّي امْرُؤٌ صائمٌ" متفق عليه.
فكذلك يجب أن نعود أنفسنا ونجاهدها لكي تتعود وتتدرب في رمضان على الاعتذار والاعتراف بالخطأ، خاصة أن النفوس مهيئة لفعل الخير، والتنافس في الأعمال الصالحة، والإقبال على الطاعة، فهل ننتهز فرصة شهر رمضان ونتعود على هذا الخلق الفاضل.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*)أمة الله محمود أم تسابيح: حاصلة على بكالوريوس كلية الخدمة الاجتماعية، وربة منزل، تحاضر، وتكتب في بعض المنتديات.
(1)الليبرالية العربية هي الوجه الآخر للعسكرة
(2) بعنوان "آسف"، بثّتها قناة يوتيرن على اليوتيوب ثاني حلقات "وسم" لفضيلة الشيخ سلمان بن فهد العودة، الأمين العام المساعد الاتحاد العلماء المسلمين.

JoomShaper