علي مختار محفوظ
يسعى المسلم الذي استجاب لتنفيذ أوامر الله تعالى بالصيام في رمضان إيمانا واحتسابا للفوز بالأجر الجزيل والثواب العظيم، وهو مغفرة الذنب، كما في الحديث: "من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه"متفق عليه، ولكن هل وصل للهدف المرجو من الصيام كما قال تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ"سورة البقرة183.
الوصول للهدف:
ولكي يصل لهذا الهدف (التقوى) لا بد أن يكون قد صام إيمانا؛ لأن النداء لأهل الإيمان الذين صدقوا الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، وتصديقا بما أعده الله تعالى لعباده من الأجر والمثوبة، فيصوم بنية خالصة لله، مع محبة هذه العبادة، التي يؤمن بهدفها، ويحاول تحقيقه، مع إقبال على الطاعة دون تكاسل أو خمول، أو ملل، ويحتسب هذا الأجر من الله وحده، فيكون راضيا مرضيا شاكرا لله تعالى أن أطال عمره حتى يصوم شهر رمضان بهمة ونشاط، فلا يتحسر أو يتوجع، أو يقضي الوقت في النوم أو اللهو، أو كما يقال يقتل الوقت، فلا يستفيد من صيامه، ولا يحقق الهدف المرجو من إقامة هذا الركن.
ومن أراد الوصول للهدف فيجب أن يتأكد أن الله تعالى لم يتعبدنا هذه العبادات إلا لصالحنا،  ولإصلاح قلوبنا، ولتهذيب نفوسنا، واستقامة أخلاقنا، وحسن تعاملنا مع الناس، حتى تنفعنا هذه الطاعات "يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ، إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ"سورة الشعراء. ولكي نصل لسلامة القلوب لا بد أن يحرص المسلم على تغيير نفسه للأحسن، وتحسين أخلاقه للأفضل، وتهذيب سلوكه، و من أنسب الأوقات لتربية النفس على الفضائل، وإبعادها عن الرزائل، والنجاح في مجاهدتها هو شهر رمضان.
مجاهدة النفس: أو كيف نجاهد أنفسنا(1)
ولكي ننجح في كبح شهوات نفوسنا، ونستطيع أن نجاهدها حتى تستقيم على أمر الله تعالى، فلا بد من السير في طريق مجاهدة النفس، للوصول للنجاح في تغييرها لتكون ملازمة للتقوى، وسائرة في طريق الاستقامة، متمسكة بطريق الهداية، ولذلك نحتاج أن نحرص على تغيير نفوسنا، وتقويم سلوكنا، وهذا التغيير لا يتم إلا بخطوات وصبر.
والنفوس مهيئة في شهر رمضان لتحقيق هذا التغيير ورؤية نتائجه، فتتشجع النفوس للاستمرار في طريق الثبات على الطاعات، وتستمر دائما في المجاهدة، وتنجح بذلك في التغيير المطلوب، الذي لا يتم إلا بتوفر النية الخالصة، ووجود الرغبة الصادقة والأكيدة في التغيير،  وتقوية إرادة النفس لكي تستمر في السير في طريق التغيير للأفضل، مع توفر البيئة المساعدة، يقول تعالى "وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً وَلَكِن كَرِهَ اللّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُواْ مَعَ الْقَاعِدِينَ" سورة التوبة، فلا بد من توفر الرغبة الحقيقية و الأكيدة في التغيير من أعماق النفس.

الأجواء مهيئة للتغيير:
وفي شهر رمضان المبارك تتوفر البيئة وتتهيأ الأجواء أكثر من غيره لحصول التغيير، فهو شهر قد ميزه الله تعالى بـ خصائص وفضائل شهر رمضان، فقد فتّحت أبوابُ الجنة، وغلّقت أبواب النار، وصفِّدت الشياطين، وينزل الملائكة الكرام في ليلةِ القدر، فتحصل بهذه التغييرات الكونية التهيئة المناسبة لحصول التغيير في حياتنا إلى الأفضل، وفي سلوكنا إلى الأقوم، والناس مهيئون في رمضان لحصول التغيير، نظرا لوفرة الأجواء الإيمانية، وكثرة المجتهدين والمشمرين لنيل العفو والغفران.
وإذا نظرنا لقصة التائب الذي قتل مئة نفس، كيف وفقه الله تعالى إلى طريق التوبة، حينما بدأ يسأل، ويُلح في السؤال، ويبحث عن مخرج مما هو فيه، حينها هيأ الله له الخلاص ورزقه توبةً في آخر حياته، وتم إرشاده لبيئة مناسبة ينتقل إليها للوصول للهدف، وتتحقق التوبة.
والتغيير الإيجابي ليس بالأمر السهل، إنما يحتاج منا جميعاً إلى إرادة فولاذية، وعزيمة قوية، وقرار شجاع وسعي حثيث للتغير.
وهذه الطلبات متوفرة وموجودة في الأجواء الإيمانية المصاحبة لشهر رمضان ليكون بداية التغيير في حياتنا
كيفية الوصول للتغيير:
فمن يريد أن يتغير يجتهد في الحصول على طرق التغيير بعد توفر الرغبة الأكيدة في التغيير، ولا بد أيضا من معرفة الطرق الصحيحة للتغيير المطلوب مع سؤال الخبراء، واستشارة العارفين و المختصين بالتغيير، مع التطبيق الصحيح، وتوفر العزيمة والإرادة والاستمرار حتى يتحقق ما نريد.
ولا بد أن ينبع هذا التغيير من داخل الشخص نفسه، مع صدق العزيمة وتوفر الإرادة، حتى يتحقق الاستمرار للوصول لما نريد قال تعالى: "إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ"سورة الرعد11. ، ومعنى هذه الآية -كما قال ابن سعدي ـ رحمه الله-: «إن الله لا يغير ما بقومٍ من النعمة والإحسان، ورغد العيش، حتى يغيروا ما بأنفسهم؛ بأن ينتقلوا من الإيمان إلى الكفر، ومن الطاعة إلى المعصية، أو من شكر نعم الله -تعالى- إلى البطر بها، فيسلبهم الله إياها عند ذلك».
وأخيرا لابد من الصبر على المشقة في التغيير، وعدم استعجال النتائج، والصبر على تدريب النفس، وتكرار محاولة تخلقها بالأخلاق الفاضلة، أو تعلمها السلوك المستقيم.
مثال لتغيير الانفعال والغضب:

فمن أراد مثلا التخلص من سرعة الانفعال أو التخلص من الغضب، أو من يريد التعرف على علاج الغضب بين الطب الحديث والسنة النبوية(1) ، فهذا يحتاج إلى تدريب وتعويد طوال الشهر الكريم وبعده، والسير على خطوات وردت في الكتاب و السنة للتخلص من هذا السلوك وعلاج هذا الخلق السيء.
فتغيير الحال إذن لا يكون بمجرد بالتمني والأماني، ولكن بالعمل الجاد المتواصل، والنية الصالحة الخالصة والسلوك القويم، وشهر رمضان الكريم فرصةٌ حقيقية للتغيير، فهو البرنامج العملي لإصلاح النفوس وتهذيب السلوك، و صفاء القلوب، والبداية الحقيقية في بناء الأمة الراشدة، ويتحقق بهذا الهدف من الصيام، فليس المطلوب تعذيب النفس بالجوع والعطش، بل نحتاج أن نصلِح ألسنتا، ونطهّرها من الآفات، حتى تصوم الجوارح عن الإيذاء والسب، ويبتعد الصائم عن اللغو، والرفث، و يسلم من اللعن، والكذب، ومن الغيبة والنميمة ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من لم يدَعْ قولَ الزور والعملَ به، فليس لله حاجةٌ في أن يدع طعامه وشرابه) رواه البخاري، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "الصيام جنة فإذا كان صوم يوم أحدكم فلا يرفث و لا يصخب فان سابه أحد أو قاتله فليقل: إني صائم"متفق عليه.

JoomShaper