د. أحمد خيري العمري
في حياة كل منا قصة حب أول منسية ومهملة..لا يحتفل بها كما يجب و كما يفعل مع قصص “الحب الأول” عادة..أي تلك القصص التي توضع في متحف الذاكرة خلف الواجهات الزجاجية –مهما كانت تلك القصص أوهاما في حقيقتها (بل بالذات عندما تكون أوهاما !)..
لكن قصة الحب الأول التي أتحدث عنها ليست وهما يحنط في متاحف الذكريات،بل هي قصة حب حقيقي و مستمر..وربما هذا هو السبب في عدم الاحتفاء بها و بذكراها،.. وربما لأننا نمر بها دون أن ننتبه إلى أنها قصة حب إلا لاحقا وبالتدريج و بعد سنوات طويلة من “العشرة”..وهكذا تمر ذكراها بصمت لا يليق بها..
أتحدث عن “أول رمضان” يمر في حياة كل منا..عن أول تجربة صوم خضناها ونحن صغار..لعلنا لم ندرك يومها أن هذا سيكون “حبنا الأول”..لم يخبرنا احد ذلك، لكن أعراض الحب الأول ظهرت علينا..ألا يتحدثون عن الحب-عادة- فيكون فيه من المشقة الشيء الكثير؟..ألا يتحدثون عن أعراضه فإذا بها سهر وأرق وقلق وفقدان للشهية ؟؟..كذلك “رمضان الأول”..فيه حتما مشقة بالنسبة لطفل صغير السن..لكن فيه أيضا مشاعر فرحة غامرة يغوص فيها مع نداء “الله أكبر” التي يركض بعدها إلى الماء فيبدو طعمها مختلفا عن كل ما شربه في حياته،كما لو إن هذا الماء الرمضاني جاء من نبع مسحور..وهناك أيضا تلك الفرحة الضمنية التي يمنحها رمضان حتى وهو يغادرنا..فرحة العيد..
قد يكون هذا النوع من الحب “غير ناضج” بما فيه الكفاية بالنسبة للمعاني الحقيقية لرمضان،..بل قد لا يكون فيه فهم مطلقا لمعنى رمضان..لكن هذه هي صفات الحب الأول دوما.. فيه من المراهقة و المشاعر أكثر مما فيه من النضج والفهم..و مع الوقت، قد تقل فرحتك برشفة الماء الأولى وقد تكتشف أن لا نبع مسحور هناك.. لكن بدلا عن ذلك سيكون هناك مشاعر أعمق وأنضج..سيكون هناك رمضان الذي نفتقده و نشتاق إليه..
أتحدث عن هذا كله لأن أبنتي أروى،..تمر اليوم بقصة حبها الأول مع رمضان..
هذا هو رمضانها الأول ، وهي في السابعة الآن، ..وأعني برمضانها الأول إن صيامها جدي هذه السنة و ليس كما يصوم الأطفال “تجريبيا”..( يبدأ عند الساعة الرابعة عصرا و ينتهي مع ساعة الإفطار..!)..
أراقب قصة الحب هذه بجذل، بل و بإقرار أن حبها الأول أفضل من الحب الأول لأبيها، فقد سبقتني أروى في السن الذي بدأت فيه الصوم،رغم طول نهار رمضان هذه السنوات (و كذلك كان وقت أبيها..).. أتساءل إن كانت نشأتها في جو مختلف هو ما يجعلها أفضل أم أنها هي فعلا أفضل كشخص؟..و أتذكر ما يقال عن إن إي أحد لا يتمنى لشخص أن يكون أفضل منه إلا أولاده..
لا يخلو الأمر أحيانا من مساومات تنتهي بحصولها على مكاسب معينة مقابل التحمل وعدم الإفطار-!!- و هي تجيد ذلك بكل الأحوال ..(سيصرخ ظرفاء اللاعنف هنا: هذا ترغيب ! و الترغيب إكراه! و لا إكراه في الدين !! )..لكن لا بأس..لا يمكن أن نتوقع من أروى أن تفهم كل مآرب الصوم..و التحمل بحد ذاته درس مهم..
أجمل ما في قصة الحب الأول هذه إني تركت هنا علامة و تذكار لها..وبدلا أن تحال إلى النسيان المبكر، فإني أضعها في إطار شفاف معطر يمكن أن ترجع إليه أروى لاحقا..
أنصح كل منكم أن ينبش في ركام ذكرياته عن قصة حبه الأولى تلك..فربما يجد كنزا دفينا فيها..
المصدر: مدونة أهل القرآن
رمضان.. وأول حب
- التفاصيل