لها أون لاين
تحتاج الأمة في مسيرتها نحو الاستخلاف في الأرض إلى استكمال عوامل النصر والتمكين ، ولا تستجلب هذه العوامل بمجرد الأماني والأحلام وصدق النوايا ولا بمجرد استكمال العدد والعتاد ، بل هي منظومة متكاملة تتضمن مشروعاً تساند مكوناته بعضها بعضاً . والمتتبع لمسيرة تكوين وتمكين الدولة الإسلامية في عهد المصطفى صلى الله عليه وسلم يلمح بعض الإشارات التي يجب التوقف عندها ملياً والتأمل في عواقبها .
الموقف الأول : بين غزوة بدر وأحد يتجلى عظم موقف الاستجابة لأوامر الله عز وجل والتوقف عندها والتسليم المطلق لنبيه صلى الله عليه وسلم ؛ ففي بدر قال الحباب بن المنذر رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم : أهو منزل أنزلك الله إياه أم هي الحرب والمكر والخديعة ؟ وكانت العاقبة نصراً مؤزراً قال الله عنه : " وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ" ( آل عمران :123)
وفي يوم أحد : لما خالف الرماة أمر النبي صلى الله عليه وسلم ونزلوا من جبل أحد فحلت الهزيمة واستحر القتل في المسلمين فقال الله عنه : " أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَـذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ" ( آل عمران :165)
الموقف الثاني : بين غزوة الأحزاب وغزوة حنين يتجلى عظم موقف الاعتماد على الله والتوكل عليه واحتقار الأسباب المادية ووضعها في موضعها الصحيح من موازين القوى ففي يوم الأحزاب يقول الله عز وجل : "يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا إذْ جَاؤُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً" (الأحزاب :12،11،10،9)
وفي يوم حنين يوم زهو المسلمين ونشوتهم بانتصاراتهم وكثرة عددهم يقول الله تعالى : "و لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ " (التوبة:25)
ما نراه اليوم من ذلٍ للمسلمين وتأخر للنصر مع ما يبذلونه من الأنفس والأموال واعتقادنا الجازم بأن العاقبة للإسلام والمسلمين إلا أننا نعتقد أيضا أن الأمة – في مجملها - لم تستكمل بعد أسباب النصر ولم تستحق التمكين ، وأن الدماء التي تنزف كل يوم تسقي الأمة كأس العزة والتمكين فإن النصر لا يأتي إلا بعد استكمال أداوته ، و لقد عاش المسلمون ردحاً من الزمن يقارب المائة عام في تيه وتخبط وبعد عن منهج الله والاستجابة المطلقة لأوامره ثم وجدوا أنفسهم في مؤخرة الركب مع كثرتهم التي لم تغن عنهم شيئاً .
بين غزوة بدر وأحد وبين الأحزاب وحنين تحتاج الأمة إلى محطات لتعديل المسار واستجلاب عوامل النصر والتمكين فمع وجود خير البشرية يقود خير القرون إلا أن دماءهم سُفكت وحل بهم الخوف وأصابتهم المصائب لمجرد حيدة يسيرة عن المسار الرباني والمنهج الإلهي وتلك سنة الله ومتى سرت على تلك الخطى "فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا" (فاطر:43)
إلا تنصروه فقد نصره الله
متى نصر الله؟
- التفاصيل