يا نفس اعذري أخاك وخذي منه ما أعطاك
قال تعالى : ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) - الحجرات 10-
يبين الله في هذه الآية أن المؤمنين إخوة , وأن العلاقة التي تربطهم إنما هي الأخوة في الله , ولا يصح أن تكون هذه العلاقة غير الأخوة , فلا أخوة بدون إيمان , ولا إيمان بدون أخوة , وهذه العلاقة الربانية هي هبة ومنحة إلهية يقذفها الله في قلب من أحب من عباده ولا تكون لغيرهم ,
فقد تري قوما مجتمعين لم يكن لأحدهم بالآخر سابق معرفة ولا قديم صلة , وما ربطتهم وشيجة من صهر أو عمومة , وما دفعهم إلي بعض غاية أو منفعة , وتري بأحدهم من الشوق إلي أخيه , والحب له , والسرور بمقدمه ما تعجب له , وتتساءل : أني هذا ؟ وما الذي جمعهم علي غير أرحام , وعن غير تعارف سابق ؟
ولا تجد إجابة كافية شافية إلا أنها الأخوة الإسلامية المرتبطة بعقيدة الإسلام , التي جعلتهم يحنون إلي بعض , ويتصلون ببعض , ويعد كل منهم أخاه جزءا من نفسه , وشقيقا لروحه , يؤثره علي نفسه , ويفديه بروحه وعياله وماله , ينادي أحدهم أخاه قائلا :
أخي
دقات قلبك نبض قلبي وخطاك خطوي نحو دربي
الله آخــــي بيننـــــــا بعقيدة ربطــــت وحــــــب
فرباطنا رباط الإلــه فمن يفك رباط ربــــــــي ؟
( وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) - الأنفال 63-
تحيا بكم كل أرض تنزلون بهـــــا كأنكم في بقاع الأرض أمطارا
ونوركم يهتدي الساري بطلعتــــه كأنكم في عيون الناس أنوارا
والعين تشتهي منكم منظرا حسنا كأنكم في هذه الدنيا أزهـــارا
إنها الأخوة في الله , والإيمان به , وحب المؤمن للمؤمن , وعاطفة المسلم للمسلم , إنه رباط العقيدة التي جمعنا الله عليها , ( لا إله إلا الله , محمد رسول الله , عليها نحيا .... , وعليها نموت .... , وفي سبيلها نجاهد ..... , وعليها وبها نلقي الله .. ) .
وذلك لأن :
الإسلام عقيدة ثابتة تفترض علي من يؤمنون بها أن يكونوا :
إخوة في سبيلها , تأتلف أرواحهم , وترتبط قلوبهم , وتتحد نفوسهم , وتفني أنانيتهم في سبيل غايتهم ومعتقدهم , لأن الله الذي أمرهم بالإيمان ووفقهم إليه قد اشتري منهم أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة
وكذلك ينادي الإسلام أبناءه و متبعيه فيقول لهم :
(وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا) (آل عمران:103).
و يقول القرآن الكريم في آية أخرى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) (الحجرات:10) و في آية أخرى : (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) (التوبة:71) .
و يقول النبي الكريم – صلى الله عليه وسلم -: (و كونوا عباد الله إخوانا) ,
-و كذلك فهم المسلمون الأولون – رضوان الله عليهم – من الإسلام هذا المعنى الأخوي , و أملت عليهم عقيدتهم في دين الله أخلد عواطف الحب و التآلف , و أنبل مظاهر الأخوة و التعارف , فكانوا رجلا واحدا و قلبا واحدا و يدا واحدة , حتى امتن الله بذلك في كتابه فقال تبارك و تعالى : (وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ) (لأنفال:63) - - إلي أي شيء ندعو الناس -
والتي عبر عنها الإمام البنا بقوله :
وأريد بالأخوة :
أن ترتبط القلوب والأرواح برباط العقيدة ، والعقيدة أوثق الروابط وأغلاها ، والأخوة أخت الإيمان ، والتفرق أخو الكفر وأول القوة : قوة الوحدة ، ولا وحدة بغير حب , وأقل الحب: سلامة الصدر , وأعلاه : مرتبة الإيثار , (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (الحشر:9) .
والأخ الصادق يرى إخوانه أولى بنفسه من نفسه ، لأنه إن لم يكن بهم ، فلن يكون بغيرهم ، وهم إن لم يكونوا به كانوا بغيره , (وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية) , (والمؤمن للمؤمن كالبنيان، يشد بعضه بعضاً). (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) (التوبة:71) , وهكذا يجب أن نكون , - التعاليم -
يجب أن نكون على هذا القدر من الأخوة , فقد اجتمعنا علي الله , ومن غير المستساغ أن نكون كذلك وتفرقنا لعاعة من الدنيا لا قيمة لها , ينسي الأخ بسببها هذه المنحة الربانية فلا يحفظ لأخيه حقا , ولا يرعي له ودا , ولا يعطيه من الأخوة حتى أقل حقوقها وهو سلامة الصدر , فضلا عما هو فوق ذلك من الحقوق ,
وتعقد جلسات للصلح بين الإخوان , وتبحث عن السبب الذي مزق هذه العلاقة الربانية فلا تري إلا نفوسا ضعفت ونسيت قيمة هذه العلاقة فباعتها بثمن بخس , ولا نجني من وراء هذه الجلسات إلا أوقاتا ضاعت وجهودا بذلت في غير موضعها ,
ولو أننا قضينا هذه الأوقات وبذلنا هذه الجهود في موطن من مواطن الكفاح الجدي الذي تحتاجه الأمة وتحتاجه الدعوة لكان أولى ,
فهل يشعر الأخ الذي وقع في هذا المنزلق كم يساهم في ضياع جهود وأوقات تحتاجها الأمة والدعوة .. ؟
وهل يحرص أن يكون كأبي بكر الخوارزمي وقد سجن ثم خرج من السجن ولم يزره صديق له , أو يسأل عنه , فكتب إليه معاتبا :
كتابي وقد خرجت من البلاء خروج السيف من الجلاء , وبروز البدر من الظلماء , وقد فارقتني المحنة وهي مفارق لا يشتاق إليه , وودعتني وهي مودع لا يبكي عليه , والحمد لله تعالي علي محنة يجليها , ونعمة ينيلها ويوليها ,
كنت أتوقع أمس كتاب مولاي إلي بالتسلية , واليوم بالتهنية , فلم يكاتبني في أيام البرحاء ( شدة الأذى ) بأنها غمته , ولا في أيام الرخاء بأنها سرته ,
وقد اعتذرت عنه إلي نفسي , وجادلت عنه قلبي ,
فقلت :
أما إخلاله بالأولى فلأنه شغله الاهتمام بها عن الكلام فيها , وأما تغافله عن الأخرى فلأنه أحب أن يوفر علي مرتبة السابق إلي الابتداء , وينتصر بنفسه علي محل الإقتداء , لتكون نعم الله سبحانه علي موفورة من كل جهة , ومحفوفة بي من كل رتبة ,فإن كنت أحسنت الاعتذار عن سيدي , فليعرف لي حق الإحسان , وليكتب إلي بالاستحسان , وإن كنت أسأت فليخبرني بعذره فإنه أعرف مني بسره ,وليرض مني بأني حاربت عنه قلبي , واعتذرت عن ذنبه كأنه ذنبي ,
وقلت :
يا نفس اعذري أخاك , وخذي منه ما أعطاك , فمع اليوم غد , والعود أحمد ,
وهل يدرك الأخ ما أراده الله تعالي بقوله : ( خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ) - الأعراف 199-
وأن الله تبارك وتعالي يأمرنا أن نأخذ العفو الميسر من أخلاق الناس في المعاشرة والصحبة , ولا نطلب إليهم الكمال , ولا نكلفهم الشاق من الأخلاق وما لا تسمح به طبائعهم, بل نشكر من كل أحد ما قابلنا به من قول وفعل جميل , وأن نعفو عن أخطائهم وضعفهم ونقصهم ,
وأن نأمر بالعرف وهو الخير الواضح المعروف الذي لا يحتاج إلى مناقشة وجدال , والذي تلتقي عليه الفطر السليمة والنفوس المستقيمة ,
ومن آذاك بقوله أو فعله فلا تؤذه , ومن حرمك لا تحرمه , ومن قطعك فصله , ومن ظلمك فاعدل فيه
خذ العفو وأمر بعرف كما أمرت , وأعرض عن الجاهلين
ولن في الكلام لكل الأنام فمستحسن من ذوي الجاه لين
فيقبل من أخيه أي شيء , ويعطيه كل شيء , ويعتذر إليه إذا أذنب , ويقبل عذره إذا اعتذر إليه , بل يعتذر لنفسه عنه كما فعل الخوارزمي , وكما قيل :
هبني أسأت كما زعمت فأين عاطفة الأخــــــــــوة ؟
أو إن أسأت , كما أسأ ت , فأين فضلك والمروة ؟
جاء في كتاب – روضة العقلاء ونزهة الفضلاء – لأبي حاتم البستي :
عن حماد بن إسحاق , قال ابن السماك لمحمد بن سليمان , أو حماد بن موسي لكاتبه , ورآه كالمعرض عنه : ما لي أراك كالمغرض عني ... ؟
قال : بلغني عنك شيء كرهته ,
قال : إذا لا أبالي ,
قال : ولم .... ؟
قال : لأنه إن كان ذنبا غفرته ......................., وإن كان باطلا لم تقبله ,
قال : فعادا إلي المؤانسة ,
فما أروع أن يقول الأخ لأخيه :
- مثلي هفا ..................... , ومثلك عفا ................... ,
فيجيبه أخوه :
- مثلك اعتذر ................................ , ومثلي اغتفر ....................... ,
وينتهي ما لم يبدأ لتدوم مودتهما .
واذكر حسنات أخيك السابقة واجعلها شفيعا له عندك :
فإن يكن الفعل الذي ساء واحدا فأفعاله اللائي سررن ألوف
وإذا الحبيب أتي بذنب واحد جاءت محاسنه بألف شفيع
ويكفيك من الحسنات التي تأتيك عن طريق أخيك وحبك له :
ما رواه أبو هريرة – رضي الله عنه – عن النبي – صلى الله عليه وسلم - " أن رجلا زار أخا له في قرية أخري , فأرصد الله تعالي علي مدرجته ملكا , فلما أتي عليه قال : أين تريد ؟ قال : أريد أخا لي في هذه القرية , قال : هل لك عليه من نعمة تربها عليه ؟ قال : لا غير أني أحببته في الله تعالى , قال : فإني رسول الله إليك بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه " رواه مسلم
وما رواه أبو هريرة كذلك قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -
" من عاد مريضا أو زار أخا له في الله ناداه مناد : أن طبت وطاب ممشاك وتبوأت من الجنة منزلا " رواه الترمذي ,
ومن أعظم هذه الحسنات : ما ورد عن معاذ – رضي الله عنه – قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول :
" قال الله عز وجل : المتحابون في جلالي لهم منابر من نور يغبطهم النبيون والشهداء " رواه الترمذي
فهل تضيع هذا الخير من حب الله , ودعاء الملك , ومنابر النور إلي غير ذلك من الخير الكثير الذي تناله بحبك لأخيك , وحفظك لوده , ورعايتك لحقوقه ؟
وهل تناديه وتقول له :
تعال بنا نطوي الحديث الذي جري ولا سمع الواشي بــــذاك ولا دري
تعال بنا حتى نعود إلي الرضــــــا وحتى كأن العهد لــــــــــــــم يتغيرا
من اليوم تاريخ المحبة بيننـــــــا عفا الله عن ذاك العتاب الذي جري
وإنا :
من اليوم تعارفنا , ونطوي ما جري منا فلا كان , ولا صار , ولا قلتم , ولا قلنـــا
فقد قيل لنا عنكم , كما قيل لكم عنا كفي ما كان من هجر , فقد ذقتم وقد ذقنا
وإذا كان ولا بد من العتب فبالحسنـــــــــى
وما أحسن أن نرجع للــــــــــــــــود كما كنا
فإن الأصل أن تكون :
أخي في فؤادي وفي مسمعــي وفي خاطري أنت والأضلــع
أخي في حناياك يجري هــواي وروحك في الكون تسري معي
أخي إن بسمت فعن مبسمــي وإن أنت نحت فمن أدمعـــي
أخي إن تراءي لعيني الصبـاح تبينت نورك في المطلــــع
أخي أنا أنت , فمن منـــهل سقينا الحياة ومـــن مشرع
أخي أنا أنت , فآمـــــالنا وآلامنا فضن من منبـــــع
أخي نغم أنت يحلـــــو به فمي , ويهش له مسمعـــي
وتخاطب نفسك دائما وتقول لها :
يا نفس اعذري أخاك , وخذي منه ما أعطاك ,فمع اليوم غد , والعود أحمد ,وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
خاص ينابيع تربوية