سياحة روحيّة في رياض العابدين المتدبّرين
- التفاصيل
د. عبد المجيد البيانوني | 12/6/1434 هـ
جمع الله لأمّة الإسلام فضائل الأمم كلّها ، وزادها من فضله خصائص وفضائل ، تكرمة لنبيّها وإعلاء لشأنه ؛ فهي خاتمة الأمم ، وهي الشاهدة عليها يوم القيامة ، وهي خير أمّة أخرجت للناس ؛ تأمر بالمعروف ، وتنهى عن المنكر ، وتدعو إلى الله على بصيرة ، وهي أمّة الجهاد والهداية ، الأمينة على الرسالة ، وهي أمّة العبادة ، على سمت نبيّها صلّى الله عليه وسلّم وهديه .. قد عبقت صفحات التاريخ بعبير العابدين الزاهدين من شبابها وشيوخها ونسائها ، فكانوا منارات الهدى للعالمين ، وأسوة السالكين الراشدين ..
وهذه شذرات روحيّة عبقة ، من رياض هؤلاء العابدين الخاشعين ، علّها تشحذ العزائم ، وتحرّك الهمم ..
قَالَ الحَسَنُ رحمه الله في قول الله تعالى : « {الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا} [الفرقان : 63] . قَالَ : بِالوَقَارِ وَالسَّكِينَةِ : {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} [الفرقان : 63] يَقُولُ : حُلَمَاءُ لَا يَجْهَلُونُ ، وَإِنْ جُهِلَ عَلَيْهِمْ حَلُمُوا ، ذَلَّتْ وَاللهِ الأَبْدَانُ وَالأَبْصَارُ حَتَّى حَسِبَهُمُ الجَاهِلُ مَرْضَى ، وَالله مَا بِالقَوْمِ مَرَضٌ، وَأَنَّهُمْ لَأَصِحَّاءُ القُلُوبِ ، وَلَكِنْ دَخَلَهُمْ مِنَ الخَوْفِ مَا لَمْ يَدْخُلْ غَيْرَهُمْ ، وَمَنَعَ مِنْهُمُ الدُّنْيَا عِلْمُهُمْ بِالآخِرَةِ .
هَذِهِ أَخْلَاقُهُمُ الَّتِي انْتَشَرُوا بِهَا فِي النَّاسِ ، وَهُمُ الَّذِينَ يَبِتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا .
أَسْهَرُوا وَاللهِ الأَعْيُنَ ، وَهَضَمُوا فِي الآخِرَةِ كُلَّ شَيْءٍ ، وَاللهِ مَا تَعَاظَمَ فِي أَنْفُسِهِمْ شَيْءٌ طَلَبُوا بِهِ الجَنَّةَ ، وَقَالُوا حِينَ دَخَلُوا الجَنَّةَ : {الحَمْدُ للهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الحَزَنَ ، إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ} [فاطر: 34] .
ثُمَّ يَقُولُ: وَالله لَقَدْ كَابَدُوا فِي الدُّنْيَا أَحْزَانًا شَدِيدَةً وَخَوْفًا شَدِيدًا ، وَاللهِ مَا أَحْزَنَهُمْ مِنْ أَحْزَانِ النَّاسِ شَيْءٌ ، أَبْكَاهُمُ الخَوْفُ مِنَ النَّارِ ، وَأَنَّ الله لَنْ يَجْمَعَ عَلَى المُؤْمِنِ خَوْفَ الدُّنْيَا وَخَوْفَ الآخِرَةِ، فَعَجِّلُوا الخَوْفَ حَتَّى تَلْقَوْا رَبَّكُمْ .
وَكَانَ يَقُولُ : يَا ابْنَ آدَمَ عِفَّ عَنْ مَحَارِمِ الله تَكُنْ عَابِدًا ، وَارْضَ بِمَا قَسَمَ الله لَكَ تَكُنْ غَنِيًّا، وَأَحْسِنْ جِوَارَ مَنْ جَاوَرَكَ مِنَ النَّاسِ تَكُنْ مُسْلِمًا ، وَصَاحِبِ النَّاسَ بِالَّذِي تُحِبُّ أَنْ يُصَاحِبُوكَ بِهِ تَكُنْ عَدْلًا ، وَإِيَّاكَ وَالضَّحِكَ فَإِنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ تُمِيتُ القَلْبَ .
إِنَّهُ قَدْ كَانَ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ أَقْوَامٌ يَجْمَعُونَ كَثِيرًا ، وَيَبْنُونَ شَدِيدًا ، وَيَأْمَلُونَ بَعِيدًا ، فَأَيْنَ هُمْ ؟ أَصْبَحَ جَمْعُهُمْ بُورًا ، وَأَصْبَحَ أَمَلُهُمْ غُرُورًا ، وَأَصْبَحَتْ مَسَاكِنُهُمْ قُبُورًا .
يَا ابْنَ آدَمَ، إِنَّكَ مُرْتَهَنٌ بِعِلْمِكَ ، وَآتٍ عَلَى أَجَلِكَ ، وَمَعْرُوضٌ عَلَى رَبِّكَ ، فَخُذْ مِمَّا فِي يَدَيْكَ لِمَا بَيْنَ يَدَيْكَ عِنْدَ المَوْتِ يَأْتِيكَ الخَيْرُ .
يَا ابْنَ آدَمَ ، طَإِ الْأَرْضَ بِقَدَمَيْكَ فَإِنَّهَا عَنْ قَلِيلٍ قَبْرُكَ .
يَا ابْنَ آدَمَ ، إِنَّكَ لَمْ تَزَلْ فِي هَدْمِ عُمْرِكَ مُنْذُ سَقَطْتَ مِنْ بَطْنِ أُمِّكَ .
يَا ابْنَ آدَمَ ، خَالِطِ النَّاسَ وَزَائِلْهُمْ ؛ خَالِطْهُمْ بِبَدَنِكَ ، وَزَائِلْهُمْ بِقَلْبِكَ وَعِلْمِكَ .
يَا ابْنَ آدَمَ ، تُحِبُّ أَنْ تُذْكَرَ بِحَسَنَاتِكَ ، وَتَكْرَهُ أَنْ تُذْكَرَ بِسَيِّئَاتِكَ ، وَتُبْغِضُ عَلَى الظَّنِّ ، وَتَغْتَمُّ عَلَى الْيَقِينِ .
وَكَانَ يَقُولُ : إِنَّ المُؤْمِنِينَ لَمَّا جَاءَتْهُمْ هَذِهِ الدَّعْوَةُ مِنَ الله صَدَّقُوا بِهَا وَأَفْضَى يَقِينُهَا إِلَى قُلُوبِهِمْ ، خَشَعَتْ للهِ قُلُوبُهُمْ وَأَبْدَانُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ ، كُنْتُ وَاللهِ إِذَا رَأَيْتُهُمْ رَأَيْتُ قَوْمًا كَأَنَّهُمْ رَأْيُ عَيْنٍ . وَاللهِ مَا كَانُوا بِأَهْلِ جَدَلٍ وَلَا بَاطِلٍ ، وَلَكِنَّهُمْ جَاءَهُمْ أَمْرٌ عَنِ اللَّهِ فَصَدِّقُوا بِهِ ، فَنَعَتَهُمُ اللهُ فِي القُرْآنِ أَحْسَنَ نَعْتٍ قَالَ : {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا} [الفرقان: 63] .
قَالَ الحَسَنُ : وَالهَوْنُ فِي كَلَامِ العَرَبِ اللِّينُ وَالسَّكِينَةُ وَالوَقَارُ .
{وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} [الفرقان: 63] . قَالَ: حُلَمَاءُ لَا يَجْهَلُونُ ، وَإِنْ جُهِلَ عَلَيْهِمْ حَلُمُوا ، يُصَاحِبُونَ عِبَادَ اللهِ نَهَارَهُمْ بِمَا يَسْمَعُونَ .
قَالَ: ثُمَّ ذَكَرَ لَيْلَهُمْ خَيْرَ لَيْلٍ فَقَالَ : {وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا} [الفرقان : 64] . يَنْتَصِبُونَ للهِ عَلَى أَقْدَامِهِمْ ، وَيَفْتَرِشُونَ وُجُوهَهُمْ سُجَّدًا لِرَبِّهِمْ ، تَجْرِي دُمُوعُهُمْ عَلَى خُدُودِهِمْ فَرَقًا مِنْ رَبِّهِمْ . قَالَ الحَسَنُ لِأَمْرٍ مَا سَهِرُوا لَيْلَهُمْ ، وَلِأَمْرٍ مَا خَشَعُوا نَهَارَهُمْ .
قَالَ : { وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا} [الفرقان : 65] . قَالَ : وَكُلُّ شَيْءٍ يُصِيبُ ابْنَ آدَمَ ثُمَّ يَزُولُ عَنْهُ فَلَيْسَ بِغَرَامٍ ، إِنَّمَا الغَرَامُ اللَّازِمُ مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ .
قَالَ : صَدَقَ القَوْمُ وَاللهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَعَمِلُوا ، وَأَنْتُمْ تَتَمَنَّوْنَ ، فَإِيَّاكُمْ وَهَذِهِ الْأَمَانِيَّ رَحِمَكُمُ اللهُ ، فَإِنَّ اللهَ لَمْ يُعْطِ عَبْدًا بِأُمْنِيَّتِهَ خَيْرًا فِي دُنْيَا وَلَا آخِرَةٍ .
وَكَانَ يَقُولُ : يَا لَهَا مِنْ مَوْعِظَةٍ لَوْ وَافَقَتْ مِنَ الْقُلُوبِ حَيَاةً . قَالَ :
لَقَدْ صَحِبْتُ أَقْوَامًا يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ فِي سَوَادِ هَذَا اللَّيْلِ سُجَّدًا وَقِيَامًا ، يَقُومُونَ هَذَا اللَّيْلَ عَلَى أَطْرَافِهِمْ ، تَسِيلُ دُمُوعُهُمْ عَلَى خُدُودِهِمْ ، فَمَرَّةً رُكَّعًا ، وَمَرَّةً سُجَّدًا ، يُنَاجُونَ رَبَّهُمْ فِي فِكَاكِ رِقَابِهِمْ ، لَمْ يَمَلُّوا طُولَ السَّهَرِ ، لِمَا خَالَطَ قُلُوبَهُمْ مِنْ حُسْنِ الرَّجَاءِ فِي يَوْمِ المَرْجِعِ ، فَأَصْبَحَ القَوْمُ بِمَا أَصَابُوا مِنَ النَّصَبِ للهِ فِي أَبْدَانِهِمْ فَرِحِينَ ، وَبِمَا يَأْمَلُونَ مِنْ حُسْنِ ثَوَابِهِ مُسْتَبْشِرِينَ ، فَرَحِمَ اللهُ امْرَأً نَافَسَهُمْ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْأَعْمَالِ ، وَلَمْ يَرْضَ لِنَفْسِهِ مِنْ نَفْسِهِ بِالتَّقْصِيرِ فِي أَمْرِهِ ، وَاليَسِيرِ مِنْ فِعْلِهِ ، فَإِنَّ الدُّنْيَا عَنْ أَهْلِهَا مُنْقَطِعَةٌ ، وَالأَعْمَالَ عَلَى أَهْلِهَا مَرْدُودَةٌ . ثُمَّ يَبْكِي حَتَّى تَبْتَلَّ لِحْيَتُهُ بِالدُّمُوعِ مختصر قيام الليل وقيام رمضان وكتاب الوتر (ص: 42)
وَقَالَ عُمَرُ بْنُ ذَرٍّ رحمه الله تعالى : « لَمَّا رَأَى العَابِدُونَ اللَّيْلَ قَدْ هَجَمَ عَلَيْهِمْ ، وَنَظَرُوا إِلَى أَهْلِ الغَفْلَةِ قَدْ سَكَنُوا إِلَى فُرُشِهِمْ ، وَرَجَعُوا إِلَى مَلَاذِهِمْ مِنَ النَّوْمِ ، قَامُوا إِلَى اللهِ فَرِحِينَ مُسْتَبْشِرِينَ ، بِمَا قَدْ وَهَبَ لَهُمْ مِنْ حُسْنِ عَادَةِ السَّهَرِ وَطُولِ التَّهَجُّدِ ، فَاسْتَقْبَلُوا اللَّيْلَ بِأَبْدَانِهِمْ ، وَبَاشَرُوا الأَرْضَ بِصِفَاحِ وُجُوهِهِمْ ، فَانْتَفَى عَنْهُمُ اللَّيْلُ وَمَا انْقَضَتْ لَذَّتُهُمْ مِنَ التِّلَاوَةِ ، وَلَا مَلَّتْ أَبْدَانُهُمْ مِنْ طُولِ العِبَادَةِ ، فَأَصْبَحَ الفَرِيقَانِ وَلَّى عَنْهُمُ اللَّيْلُ بِرِبْحٍ وَغَبْنٍ ، أَصْبَحَ هَؤُلَاءِ قَدْ مَلُّوا النَّوْمَ وَالرَّاحَةَ ، وَأَصْبَحَ هَؤُلَاءِ مُتَطَلِّعِينَ إِلَى مَجِيءِ اللَّيْلِ لِلعَادَةِ ، شَتَّانَ مَا بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ .
فَاعْمَلُوا أَنْفُسَكُمْ رَحِمَكُمُ اللهِ فِي هَذَا اللَّيْلِ وَسَوَادِهِ ، فَإِنَّ المَغْبُونَ مَنْ غُبِنَ خَيْرَ النَّهَارِ وَاللَّيْلِ ، وَالمَحْرُومَ مَنْ حُرِمَ خَيْرَهُمَا ، إِنَّمَا جُعِلَا سَبِيلًا لِلمُؤْمِنِينَ إِلَى طَاعَةِ رَبِّهِمْ ، وَوَبَالًا عَلَى الآخَرِينَ لِلغَفْلَةِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ ، فَأَحْيُوا أَنْفُسَكُمْ بِذِكْرِ اللهِ ، فَإِنَّمَا تَحْيَى القُلُوبُ بِذِكْرِ اللهِ .
كَمْ مِنْ قَائِمٍ للهِ فِي هَذَا اللَّيْلِ قَدِ اغْتَبَطَ بِقِيَامِهِ فِي ظُلْمَةِ حُفْرَتِهِ
وَكَمْ مِنْ نَائِمٍ فِي هَذَا اللَّيْلِ قَدْ نَدِمَ عَلَى طُولِ نَوْمِهِ عِنْدَمَا يَرَى مِنْ كَرَامَةِ اللهِ لِلعَابِدِينَ غَدًا ، فَاغْتَنِمُوا مَمَرَّ السَّاعَاتِ وَاللَّيَالِي وَالأَيَّامِ ، رَحِمَكُمُ اللهِ . مختصر قيام الليل وقيام رمضان وكتاب الوتر (ص: 44)
وَعَنِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ رحمه الله تعالى : « أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا يَوْمًا فَعَرَضَتْ لَهُ هَذِهِ الآيَةُ : { لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [الأنبياء : 10] . فَانْتَبَهَ فَقَالَ : عَلَيَّ بِالمُصْحَفِ ، لِأَلْتَمِسَ ذِكْرِي اليَوْمَ حَتَّى أَعْلَمَ مَعَ مَنْ أَنَا وَمَنْ أُشْبِهُ .؟ فَنَشَرَ المُصْحَفَ فَمَرَّ بِقَوْمٍ : { كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ، وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ، وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالمَحْرُومِ} [الذاريات : 18] .
وَمَرَّ بِقَوْمٍ : { تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [السجدة : 16] . وَمَرَّ بِقَوْمٍ : { يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا} [الفرقان : 64] .
وَمَرَّ بِقَوْمٍ : { يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالكَاظِمِينَ الغَيْظَ وَالعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ} [آل عمران : 134] .
وَمَرَّ بِقَوْمٍ : { يُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ، وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ} [الحشر: 9] .
وَمَرَّ بِقَوْمٍ : {يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ} [الشورى : 37] ، { وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ ، وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ ، وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ، وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [الشورى : 38] .
قَالَ : فَوَقَفَ ثُمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ لَسْتُ أَعْرِفُ نَفْسِي هَهُنَا ، ثُمَّ أَخَذَ فِي السَّبِيلِ الآخَرِ . فَمَرَّ بِقَوْمٍ : {إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتَنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ} [الصافات: 35] .
وَمَرَّ بِقَوْمٍ : { إِذَا ذُكِرَ الله وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ ، وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} [الزمر: 45] .
وَمَرَّ بِقَوْمٍ يُقَالُ لَهُمْ : {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرٍ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ ، وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ المِسْكِينَ ، وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الخَائِضِينَ ، وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّى أَتَانَا اليَقِينُ } [المدثر : 42] . قَالَ فَوَقَفَ ثُمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِنْ هَؤُلَاءِ .
قَالَ: فَمَا زَالَ يُقَلِّبُ الوَرَقَ وَيَلْتَمِسُ حَتَّى وَقَعَ عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ : {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا ، عَسَى اللهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ، إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [التوبة : 102] . فَقَالَ : اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ . يعني أنا من هَؤُلَاءِ . مختصر قيام الليل وقيام رمضان وكتاب الوتر (ص: 44) .