سلام نجم الدين الشرابي
وقفتُ عند ركنها، أنظر إلى الكتب التي تعرضها، نهضت من كرسيها وتقدمت نحوي، وألقت على مسامعي "كليشة" يبدو أنها حفظتها وسمّعتها مراراً عن ظهر قلب.. لترغبني وغيري في شراء الكتب الموجودة لديها.
استوقفني انها مؤلفة هذه الكتب فتحرك الحس الصحفي لدي حين استمعت إلى تسويقها واستشعرت تميزها الذي لم يقنعني بشراء كتاب كما كانت تأمل، ولكنه أقنعني كصحفية بعمل حوار معها لتتحدث عن إنتاجها الأدبي في بلد كلبنان يعُنى بطباعة الكتب، وحيث إني تحولت من متسوقة إلى صحفية، تحولت هي من تاجرة إلى كاتبة معتزة بنفسها، وبعد أن كانت تمنحني كل وقتها واهتمامها، ألقت بي إلى ابنتها، وقالت لها: أعطها رقم هاتفي وبريدي إن أرادت التواصل معي واستدارت عني.
ذكرني هذا الموقف بالباعة الجوالين في مصر، شباب في عمر الورد من طلاب الجامعات أو خريجيها، بعضهم يجوب الشوارع يسوّق لسلعة من إنتاجه، صادف أن واجهت هذا الموقف عندما كنت في مصر صيف 2012 حين تقدم شاب مصري ليبيع لنا منتجاً يزيل آثار الحبر أو أي تصبغات يصعب إزالتها، ولدى استفسارنا عن هذا المنتج تبين أنه من اختراع هذا الشاب بالتعاون مع رفاقه في كلية الزراعة حيث يدرس، وربما خيبنا أمله أيضاً عندما لم نشتر منه المنتج، وكان اهتمامنا بالإنجاز الذي حققه الشاب مع أصدقائه، فرغبنا في إبرازه من خلال إجراء حوار صحفي معه، فأعطانا بريده أيضاً ثم استدار عنا باحثاً عن زبون آخر.

من المفترض أن يرغب كل صاحب موهبة مميزة أو إنجاز بالتقدير والاهتمام الإعلامي بموضوعه؛ لأن هذا يقدم له جزءا من التسويق له ولمنتجه، ولكن في حال عدم وجود جهة تتبنى مواهب الشباب واختراعاتهم، يصبح الهم المادي هو الهم الأول لدى المبدع، وهو ما قد يكون أول الطريق الذي يأخذ صاحبه بعيداً جداً عن درب التميز والإبداع الذي نحتاجه بقوة في عالمنا العربي.
وربما يكون الأمر زهداً في الإعلام التي نحى في كثير من برامجه بعيداً عن تقديم المبدعين في المجتمع لصالح أجندات وترهات لا طائل منها، وصناعة ما أسموه بالنجوم في البرامج الترفيهية التي لا تبني وطن ولا تفيد مجتمع.

حين يقترب طالب الثانوي من المرحلة الجامعية، ويبدأ بالتفكير في اختيار الفرع الذي سيدرسه، تنهمر عليه النصائح من كل حدب وصوب.. لتقذف به بعيداً عن ما يحب، أو ما يشعر بأنه سيحقق فيه تميزاً لصالح التخصصات التي يمكن أن تؤمن له وظيفة مرموقة أو كسباً مادياً جيداً، في حين أنه لو تُرك لما يحب قد يصبح من المبدعين الذين تحتاجهم أوطاننا لتحقق قفزة نوعية في علومها المختلفة.
ولكن ذلك لن يحصل البتة إذا لم يجد المبدع الجهات والمؤسسات، سواء الحكومية أو الخاصة التي تحتضن إبداعه وتمد إليه يدها، بل وكل أطرافها؛ لأنه وإن تجاهل نصائح الناصحين وظروف الحياة الصعبة، واستمر في طريق الإبداع ستواجهه سطوة المال التي طالما حاول المبدع التفلّت منها، فيتعثر في الطريق كما في الحادثتين السابقتين اللتين لا تقبعان وحيدتان كنموذج لهذا التعثر، فكم من حالات متشابهة النهايات مع اختلاف مجالات الإبداع.
فلا زلت أذكر تلك الكلمات الطائشة التي كانت تصل مسمعي عن مهندس معماري مبدع كان من ذوي الدخل المحدود حتى تحول إلى مقاول فأصبح من الأثرياء، أو رسام مبدع كانت تحمل ريشته فكراً وهماً فلا يجد قوت يومه حتى تحول إلى رسم الأسماء على الأرز وبيعها كعقد للزينة.
رحم الله كل أمرئ همس في أذني قبل دراستي في مجال الصحافة والإعلام وقال لي: "الصحافة ما بطعمي خبز"، وكنت أرد عليه، الصحافة رسالة وهدف بالدرجة الأولى.. ولا غنى لنا عن الخبز.
الرجال يعملون من أجل المال والنساء من أجل الإنجاز
رأس المال المسلم والاستثمار في الثقافة!

JoomShaper