طارق السيد
السعادة من أكثر المواضيع التي شغلت تفكير الكتاب والمفكرين، وتحدث عنها الفلاسفة والروائيون، وكانت هدفا لبني البشر على مدار تاريخ الإنسانية، فكل واحد يريد السعادة. بل هي غاية الكثير من الأفعال البشرية على تنوعها، وعلى الرغم من ذلك فإن كثيرا من الناس يخطئ طريق السعادة، كل الناس يريدون السعادة، ولكن كثيرا منهم يخطئ هذا الطريق، بل إن القلة القليلة هي التي تسلك سبيل السعادة الحقيقية. وإذا كان فلاسفة الغرب قد تناولوا قضية السعادة بشيء من التفصيل من أمثال "برتراند راسل" صاحب كتابي (غزو السعادة) و(الفوز بالسعادة)، ومايكل أرجايل صاحب كتاب "سيكولوجية السعادة" ، فإن هناك من علماء ومفكري الإسلام من تحدث عن سبل السعادة الحقيقية بالتفصيل، سنحاول من خلال هذه المقالة سرد عدد من أقوال هؤلاء العلماء والمفكرين التي يصفون فيها طريق السعادة؛ لعلها تفيد كل من يسعى إلى سعادة حقيقية في رحلته في الحياة:
ابن تيمية يصف طريق السعادة:
يوضح ابن تيمية قاعدة هامة في السعادة في معاملة الخلق، فيقول: إن تعاملهم لله، فترجو الله فيهم ولا ترجوهم في الله، وتخافه فيهم ولا تخافهم في الله، وتحسن إليهم رجاء ثواب الله لا لمكافأتهم، وتكف عن ظلمهم خوفًا من الله لا منهم، كما جاء في الأثر: (ارج الله في الناس ولا ترج الناس في الله، وخف الله في الناس، ولا تخف الناس في الله) أي: لا تفعل شيئًا من أنواع العبادات والقرب لأجلهم، لا رجاء مدحهم ولا خوفًا من ذمهم، بل ارج الله ولا تخفهم في الله فيما تأتى وما تذر، بل افعل ما أمرت به وإن كرهوه. وفى الحديث: (إن من ضعف اليقين أن ترضى الناس بسخط الله، أو تَذُمَّهُمْ على ما لم يؤتك الله)(رواه البيهقي في الشعب، وضعفه عدد من العلماء منهم السيوطي، والألباني في ضعيف الجامع، وقال في السلسة الضعيفة: موضوع)، فإن اليقين يتضمن اليقين في القيام بأمر الله وما وعد الله أهل طاعته، ويتضمن اليقين بقدر الله وخلقه وتدبيره، فإذا أرضيتهم بسخط الله لم تكن موقنا، لا بوعده ولا برزقه، فإنه إنما يحمل الإنسان على ذلك، إما ميل إلى ما في أيديهم من الدنيا، فيترك القيام فيهم بأمر الله؛ لما يرجوه منهم. وإما ضعيف تصديق بما وعد الله أهل طاعته من النصر والتأييد والثواب في الدنيا والآخرة، فإنك إذا أرضيت الله نصرك، ورزقك وكفاك مؤنتهم، فإرضاؤهم بسخطه إنما يكون خوفا منهم ورجاء لهم؛ وذلك من ضعف اليقين.
وإذا لم يقدر لك ما تظن أنهم يفعلونه معك، فالأمر في ذلك إلى الله لا لهم، فإنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، فإذا ذممتهم على ما لم يقدر، كـان ذلك من ضعف يقينك، فلا تخفهم ولا ترجهم ولا تذمهم من جهة نفسك وهواك، لكن من حمده الله ورسوله فهو المحمود، ومن ذمَّه الله ورسوله فهو المذموم.
ولما قال بعض وفد بنى تَمِيم: يا محمد، أعطني، فإن حَمْدِى زَيْنُ، وإن ذَمِّى شَيْنٌ. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ذاك الله عز وجل)رواه الترمذي، وحسنه، وصححه ابن كثير والبوصيري، والألباني.
وكتبت عائشة إلى معاوية، وروى أنها رفعته إلى النبي صلى الله عليه وسلم: (من أرضى الله بسخط الناس كفاه مؤنة الناس، ومن أرضى الناس بسخط الله لم يُغْنُوا عنه من الله شيئا) رواه الترمذي وصححه الألباني. هذا لفظ المرفوع، ولفظ الموقوف: (من أرضى الله بسخط الناس رضى الله عنه وأرضى عنه الناس، ومن أرضى الناس بسخط الله عاد حامده من الناس له ذاماً) (صححه الألباني في تحقيق شرح الطحاوية) هذا لفظ المأثور عنها، وهذا من أعظم الفقه في الدين، والمرفوع أحق وأصدق، فإن من أرضى الله بسخطهم كان قد اتقاه، وكان عبده الصالح، والله يتولى الصالحين، وهو كاف عبده {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ } [الطلاق: 2، 3]. فالله يكفيه مُؤْنَةَ الناس بلا رَيْب، وأما كون الناس كلهم يرضون عنه، فقد لا يحصل ذلك، لكن يرضون عنه، إذا سلموا من الأغراض وإذا تبين لهم العاقبة، ومن أرضى الناس بسخط الله لم يغنوا عنه من الله شيئاً، كالظالم الذى يعض على يده يقول: {يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا} [الفرقان: 27، 28]، وأما كون حامده ينقلب ذاماً، فهذا يقع كثيراً، ويحصل في العاقبة، فإن العاقبة للتقوى، لا يحصل ابتداء عند أهوائهم، وهو سبحانه أعلم.(1).
ابن القيم وأنواع السعادة:
يقول الإمام ابن القيم: إن أنواع السعادة التي تؤثرها النفوس ثلاثة:
الأولى: سعادة خارجية عن ذات الإنسان، بل هي مستعارة له من غيره يزول باسترداد العارية، وهي سعادة المال والحياة والسعادة والفرح بهذه كفرح الأقرع بحمة ابن عمه، والجمال بها كجمال المرء بثيابه وبزينته، فإذا جاوز بصرك كسوته فليس وراء عبادان قرية.
الثانية: سعادة في جسمه وبدنه كصحته واعتدال مزاجه، وتناسب أعضائه، وحسن تركيبه، وصفاء لونه وقوة أعضائه فهذه ألصق به من الأولى، ولكن هي في الحقيقة خارجة عن ذاته وحقيقته فإن الإنسان إنسان بروحه وقلبه لا بجسمه وبدنه كما قيل: يا خادم الجسم كم يشقى بخدمته *** فأنت بالروح لا بالجسم إنسان.
الثالثة: هي السعادة الحقيقية وهي سعادة نفسانية روحية قلبية، وهي سعادة العلم النافع ثمرته، فإنها هي الباقية على تقلب الأحوال والمصاحبة للعبد في جميع أسفاره، وفي دوره الثلاثة اعني دار الدنيا ودار البرزخ ودار القرار وبها يترقى معارج الفضل ودرجات الكمال، أما الأولى فإنها تصحبه في البقعة التي فيها ماله وجاهه، والثانية تعرضه للزوال والتبدل بنكس الخلق والرد إلى الضعف، فلا سعادة في الحقيقة إلا في هذه الثالثة التي كلما طال الأمد ازدادت قوة وعلوا وإذا عدم المال والجاه فهي مال العبد وجاهه وتظهر قوتها وأثرها بعد مفارقة الروح البدن إذا انقطعت السعادتان الأوليتان، وهذه السعادة لا يعرف قدرها ويبعث على طلبها إلا العلم، بها فعادت السعادة كلها إلى العلم وما تقضيه، والله يوفق من يشاء لا مانع لما أعطى ولا معطى لما منع وإنما رغب أكثر الخلق عن اكتساب هذه السعادة وتحصيلها وعورة طريقها ومرارة مباديها وتعب تحصيلها، وإنها لا تنال إلا على جد من التعب فإنها لا تحصل إلا بالجد المحض بخلاف الأوليين، فإنهما حظ قد يحوزه غير طالبه وبخت قد يحوزه غير جالبه من ميراث أو هبة أو غير ذلك، وأما سعادة العلم فلا يورثك إياها إلا بذل الوسع وصدق الطلب وصحة النية وقد أحسن القائل في ذلك:
فقل لمرجي معالي الأمور *** بغير اجتهاد رجوت المحالا
ومن طمحت همته إلى الأمور العالية، فواجب عليه أن يشد على محبة الطرق الدينية وهي السعادة، وإن كانت في ابتدائها لا تنفك عن ضرب من المشقة والكره والتأذي، وإنها متى أكرهت النفس عليها وسيقت طائعة وكارهة إليها وصبرت على لأوائها وشدتها، أفضت منها إلى رياض موقنة ومقاعد صدق ومقام كريم، تجد كل لذة دونها لعب الصبي بالعصفور بالنسبة إلى لذات الملوك. فالمكارم منوطة بالمكارة، والسعادة لا يعبر إليها إلا على جسر المشقة فلا تقطع مسافتها إلا في سفينة الجد والاجتهاد قال مسلم في صحيحه، قال يحيى بن أبي كثير: "لا ينال العلم براحة الجسم وقد قيل: "من طلب الراحة ترك الراحة" ، ولولا جهل الأكثرين بحلاوة هذه اللذة وعظم قدرها لتجالدوا عليها بالسيوف، ولكن حفت بحجاب من المكاره وحجبوا عنها بحجاب من الجهل ليختص الله لها من يشاء من عباده والله ذو الفضل العظيم.(2).
سيد قطب والشعور بالسعادة:
ويصف "سيد قطب" رحمه الله كيف تنمو مشاعر السعادة في النفس البشرية، قائلا: عندما تنمو في نفوسنا بذور الحب والعطف والخير نعفي أنفسنا من أعباء ومشقات كثيرة. إننا لن نكون في حاجة إلى أن نتملق الآخرين؛ لأننا سنكون يومئذ صادقين مخلصين إذ نزجي إليهم الثناء. إننا سنكشف في نفوسهم عن كنوز من الخير وسنجد لهم مزايا طيبة نثني عليها حين نثني ونحن صادقون؛ ولن يعدم إنسان ناحية خيرة أو مزية حسنة تؤهله لكلمة طيبة… ولكننا لا نطلع عليها ولا نراها إلا حين تنمو في نفوسنا بذرة الحب!…
كذلك لن نكون في حاجة لأن نحمل أنفسنا مؤونة التضايق منهم، ولا حتى مؤونة الصبر على أخطائهم وحماقاتهم لأننا سنعطف على مواضع الضعف والنقص ولن نفتش عليها لنراها يوم تنمو في نفوسنا بذرة الحب! وبطبيعة الحال لن نجشم أنفسنا عناء الحقد عليهم أو عبء الحذر منهم، فإنما نحقد على الآخرين لأن بذرة الخير لم تنم في نفوسنا نموا كافيا، ونتخوف منهم لأن عنصر الثقة في الخير ينقصنا!
كم نمنح أنفسنا من الطمأنينة والراحة والسعادة، حين نمنح الآخرين عطفنا وحبنا وثقتنا، يوم تنمو في نفوسنا بذرة الحب والعطف والخير!....... بالتجربة عرفت أنه لا شيء في هذه الحياة يعدل ذلك الفرح الروحي الشفيف الذي نجده عندما نستطيع أن ندخل العزاء أو الرضا، الثقة أو الأمل أو الفرح إلى نفوس الآخرين!.
إنها لذة سماوية عجيبة ليست في شيء من هذه الأرض، إنها تجاوب العنصر السماوي الخالص في طبيعتنا، إنها لا تطلب لها جزاء خارجيا، لأن جزاءها كاملا فيها!.
هنالك مسألة أخرى يقحمها بعض الناس في هذا المجال، وليست منه في شيء مسألة اعتراف الآخرين بالجميل!.
لن أحاول إنكار ما في هذا الاعتراف من جمال ذاتي، ولا ما به من مسرة عظيمة للواهبين، ولكن هذا كله شيء آخر إن المسألة هنا مسألة الفرح؛ لأن الخير يجد له صدى ظاهريا قريبا في نفوس الآخرين، وهذا الفرح قيمته من غير تلك لأنه ليس من طبيعة ذلك الفرح الآخر الذي نحسه مجردا في ذات اللحظة التي نستطيع أن ندخل فيها العزاء أو الرضا، الثقة أو الأمل أو الفرح في نفوس الآخرين! إن هذا لهو الفرح النقي الخالص الذي ينبع من نفوسنا ويرتد إليها بدون حاجة إلى أي عناصر خارجية عن ذواتنا، إنه يحمل جزاءه كاملا لأنه جزاءه كاملا فيه(3).
أسباب السعادة:
ويجمل فضيلة الشيخ ناصر العمر في كتابة "السعادة بين الوهم والحقيقية" جملة من الأسباب التي تجعل الإنسان سعيدا، فمنها:
1- الإيمان بالله، والعمل الصالح: يقول الله تعالى (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً) (النحل: من الآية97) أي فلنحيينه حياة سعيدة.
2- الإيمان بالقضاء والقدر خيره وشره: فكله من الله - سبحانه وتعالى - فاعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك. .. وهذه الصفة من أهم صفات السعداء، إذ لا يمكن أن تحصل السعادة إلا لمن يؤمن بالله، ومن الإيمان بالله الإيمان بقضائه وقدره، والرضا بقسمه، لأن الإنسان في هذه الحياة لا بد أن ينتابه شيء من الهموم والمصائب، فإن لم يؤمن بالقضاء والقدر، هلك.
3- الإكثار من ذكر الله وقراءة القرآن: (أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) (الرعد: من الآية28)، إن من داوم على ذكر الله يعش سعيدا مطمئن القلب. أما من أعرض عن ذكر الله، فهو من التعساء البؤساء (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) (طـه:124).
4- انشراح الصدر وسلامته من الأدغال: ويقول - جل شأنه: (أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ) (الزمر: من الآية22). فانشراح الصدر وطلبه من علامات السعادة وصفات السعداء.
5- الإحسان إلى الناس: وهذا أمر مجرب، ومشاهد، فإننا نجد الذي يحسن إلى الناس من أسعد الناس، ومن أكثرهم قبولا في الأرض.
6- النظر إلى من هو دونك في أمور الدنيا وإلى من هو فوقك في أمور الآخرة: كما ورد في التوجيه النبوي الكريم حين قال ، صلى الله عليه وسلم " انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله " [رواه مسلم]. هذا في أمور الدنيا، لأنك إذا تذكرت من هو دونك، علمت فضل الله عليك. أما في أمور الآخرة فانظر إلى من هو أعلى منك، لتدرك تقصيرك وتفريطك، لا تنظر إلى من هلك كيف هلك، ولكن انظر إلى من نجا كيف نجا.
7- قصر الأمل وعدم التعلق بالدنيا، والاستعداد ليوم الرحيل: يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي في كلمة جامعة مع أنها قصيرة: "الحياة قصيرة. فلا تقصرها بالهم والأكدار".
8- اليقين بأن سعادة المؤمن الحقيقية في الآخرة لا في الدنيا: قال تعالى: (وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ) (هود:108). ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "الدنيا سجن المؤمن، وجنة الكافر"رواه مسلم.
9- مصاحبة الأخيار والرفقة الصالحة: ولا يستطيع أحد أن ينكر أثر القرين على قرينه، فهو مشهود، ومجرب، وواضح من خلال الواقع، ومن خلال التاريخ. ولذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم: " مثل الجليس الصـالح، والجليس السوء، كحامل المسك، ونـافخ الكير... "[متفق عليه]. (4).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الإحالات(الهوامش)
1- مجموع الفتاوى، شيخ الإسلام ابن تيمية ، قسم العقيدة.
2- مفتاح دار السعادة، ابن القيم الجوزية.
3- أفراح الروح، سيد قطب.
4- السعادة بين الوهم والحقيقة، ناصر العمر.
علماء ومفكرون يصفون طريق السعادة
- التفاصيل