مالك فيصل الدندشي
في المرحلة الثانوية تعلمنا أن المقدمات السليمة لا بد أن تعطي - بإذن الله - نتائج سليمة. ومن إشعاعاتِ الذاكرةِ هناك فكرة تقول: إذا بنيتَ بيتك على أساس متين، فإنك تقدر أن تبني عليه لأولادك وأحفادك عمارات تؤويهم وتقر عيناك بهم.
أذكــر أن أحــد الأصـدقــاء قـال لــي: لا تــنـظـر إلى بـدايــات الأعـمـال؛ فـربـمـا لا تستطيع الحكم على أولياتها، ولكن انظر إلى النتائج؛ وهذا يذكرنا بعظمة العبارة النبوية: "إنما الأعمال بالخواتيم" رواه البخاري(١).
كم رأيـنا مــن شــخــص أو جـمــاعــة أو حزب بدأ في نظرنا بداية أبهرتنا، وصدقنا الأطروحات التي طرحت علينا، وحكمــنا مُـقَـدّماً عــلى أصحـابــهـا حكـماً مّا اتضح لنا فيما بعد أنه مخيب للآمال والتطلعات، والضد بالضد يذكر ولعلك - أخي القارئ - تسأل: ما الذي دعاك أن توطِّئ لمقالتك تلك المقدمة التي لا تخفى على أحد؟
أحب أن أقول - بادئ ذي بدء -: إننا بحاجة إلى مراجعة شاملة لمسيرتنا الدعوية والاجتماعية والسياسية وغيرها.
كم من حكمة أو قول مأثور أو مثل سائر، فضلاً عن آية أو حديث تضيء لنا الطريق، وتستشرف لنا المستقبل، وتضعنا أمام حقائق جهلناها أو تجاهلناها؛ إذ خيل إلينا أننا أصبحنا فوق القيم والحِكَمِ، ولم نعد نحتاج إلى توعية دائمة وتبصير مستمر، وترشيد مصاحب لخطواتنا.
إننا - انطلاقاَ من واقعنا المؤلم - بأمسِّ الحاجة إلى مراجعة شاملة لمسيرتنا السابقة، والتي تعود إلى الربع الأول من القرن التاسع عشر أي من سقوط أو (إسقاط) الخلافة نهائياً على يد مصطفى كمال (أتاتورك)، وظهور تيارات إسلامية تدعو إلى عودة الخلافة - بحسب أهميتها - معتقدة أن تقديم هذا وتأخير ذاك يدخل في المصلحة.
لا ريب أن هذه المراجعة ذات شُعب كثيرة، يقوم بها شخص أو أشخاص؛ لذلك سيقتصر حديثي في هذه المقالة على ضرورة بناء أي عمل منذ بدايته بناءً سليماً، مهما كلفنا من جهد ومشقة، ومهما أحاطت بنا العوائق، ووقفت أمامنا الحواجز كي نطمئن - بداية - أن ما نقوم به يؤسَّس على قواعد صحيحة يمكننا أن نشيد - بعد ذلك - الجدران والأسقف، وتتوالى عقب ذلك أعمال (التشطيب) والتجميل وغير ذلك.
قد نستثقل الخطوات في أثناء ممارسة الإنجاز، وقد نشعر بثقل المهام وضغوط الزمن، وقد نُصاب بالملل من كثرة العراقيل، وقد يستعجل بعضنا، ويود قطف الثمرة قبل نضوجها، أو يرغب في اختزال السنين - بدافع الاستعجال - وربما يسيء استخدام الوسائل بطرح بعضها أو تجاوزها، أو تقديم شيء ينبغي أن يُؤَجَّل وهكذا!
لا بد أن نسير في الاتجاه الصحيح بالأساليب الرشيدة وإن طال الزمن، وأذكر هنا ذلك القول الذي قاله المصطفى صلى الله عليه وسلم - وهو متوسد بردته في ظل الكعبة - لبعض المستضعفين من أتباعه حينما شكوا إليه من كثرة ما يلاقون من أذى قريش: “واللهِ ليُتِمَّنَّ اللهُ هذا الأمر حتى يسيـر الراكب من صـنـعاء إلى حـضرموت لا يخشى إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون”رواه البخاري.
إن العجلة - مع حسن النية - جَرَّت علينا كثيراً من المتاعب.
إن العجلة في طلب النصر - دون إعـداد مـحـكم، أو أخـذ بـنـواميس الكـون، أو مراعاة لسـنن الله في الحـياة والأنـفـس - قادتنا إلى مواجهة غير متكافئة مع أعدائنا، واعتقدنا أننا - ما دمنا مسلمين - منصورون.
من هنا بدأ الخلل في تصور أسباب النصر؛ ويقيناً فإن ذاك التصور ليسقط من حسابنا بمجرد أن نقرأ ما حدث لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في أُحُد، وهذه القضية ليست من صلب مقالنا هذا.
لقد أشار إلى المشكلة سيد قطب في كتابه (معالم في الطريق) ولم تطرح على بساط البحث لتدرس دراسة عميقة من جوانبها كافة، ويكفيه - رحمه الله - أنه لفت الانتباه إليها من جملة ما طرحه مما يخص موضوعنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم - وهو في مكة - كان باستطاعته أن يدعو أهلها إلى نظام اجتماعي يُحَرِّمُ فيها الظلم المتمثل بالربا والزنا، وأكل أموال الناس بالباطل و.. و.. و..، مما هو متوافر في ذلك المجتمع، ثم إن أهل مكة يجتمعون عليه على هذا الأساس؛ وبعد ذلك يدعوهم إلى دين الله الحق؛ لكنه أبى أن يسير في طريق قد تبدو له بعض ثمراته إلا أن نهايته ليست مأمونة ولا مطلوبة أصلاً.
إن القضية ليست إحراز مكاسب وقتية أو جزئية(2)؛ فالقضية - في نظرنا - أكبر بكثير من الحصول على مقاعد في مجلس نيابي، أو دخول وزارة أو وزارتين، أو الحصول على وعود من هذا أو ذاك لبناء مستشفى، أو مدرسة، أو مسجد.
القضية ليست في أن يشغل المسلم منصباً كبيراً في نظامٍ ما، أو عدة مناصب (تدخل في تركيبة سياسية بشرية)، وكأننا طلاب دنيا، ودعاة منفعة ذاتية تضر بالمشروع الإسلامي الكبير الذي ينشد الآخرة قبل الدنيا، ويحرص على مرضاة الله ورسوله قبل إشباع ذواتنا من الطاعة للدنيا وحطامها كما يحرص على شمولية المنهج وربانيته.
إن على أصحاب الاتجاه الإسلامي أن يقدموا الإسلام منذ البداية كما يريده الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ؛ لا كما تريده لنا المجتمعات التي تقوم على غير هدى من وحي السماء.
علينا رفض المساومة على مبادئنا، وأن لا نقبل أن يقدم لنا الإسلام في ثوب ذي نسيج مطور على الطريقة الاستشراقية.
إننا نرفض من أولئك الذين  - نحسبهم أنهم منا؛ ومن منطلق الاستعجال والقفز على الأوليات يجانبون المرحلية الحقة - نرفض منهم خجلهم من دعوة الناس على مختلف أطيافهم إلى شمولية الدين وربانيته تحت مسوغات شتى.
ينبغي التأكيد على سلامة المقصد وشمولية المنهج، ورفض تبعيض الأصول وأصول الفروع، والإيمان بالمرحلية وترتيب الأوليات التي لا تخدش جوهر الدين وأصوله وفق مصلحة شرعية.
وأراني قد أطلت في هذه المسألة، وكأني بالقارئ يود أن أضرب له أمثلة من واقع السيرة النبوية وهي الترجمة العملية لهذا الدين.
وقبل أن يساء فهم ما قصدته، أود أن أوضح ما يلي:
إن الأنظمة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تطرح - عادة - من قِبَل الأحزاب والتيارات لتكون برنامجاً لهذه الفئة أو تلك تتناقش فيها القوى في المجتمع، وكل يَعِدُ مجتمعه بصورة مشرقة ينعم بها الناس في ظل نظام معين يَتَبَنَّى هذا الطرح.
ونحن - المسلمين - لنا مشروعنا المميز الذي ينشد سعادة الإنسان؛ لذا فإن الإسلام - في مشروعه - يخاطب الإنسان (جسداً و روحاً) وأنه مخلوق فقير إلى مولاه، فلا بد أن يدين هذا الإنسان لنظام الله (لا إكراه في المعتقد) لأنه بدون هذه الدينونة لا تتحقق سعادته الدنيوية والأخروية؛ ومن هذا المنطلق فإن على المسلمين ألاَّ يقدموا الإسلام في برامجهم الدعوية على أنه نظام اجتماعي فحسب، أو سياسي أو اقتصادي، أي لا نقدمه مُفَرَّقًا................
-------------
الإحالات (الهوامش):
(١) رواه البخاري، في كتاب الرقاق، باب الأعمال  بالخواتيم، انظر فتح الباري 11 /330 رقم(6493)ط دار الإفتاء، وفي كتاب القدر، باب العمل بالخواتيم 11/499،  رقم(6607) من حديث سهل بن سعد الساعدي وفي أوله قصة الرجل الذي قتل نفسه، ط دار التراث  العربي - بيروت ١١/423.
(2) وإن حصلت فلا بأس وفق ضوابط شرعية مرحلية.

JoomShaper