لها أون لاين
هل يمكن أن نتفق من البداية أننا لا يجب أن نستسلم للرسالة الإعلامية لمجرد أنها توجهت إلينا في غلاف يتفق مع رؤيتنا ومنهجنا في الحياة؟
هل نتفق أن المواد الإعلامية وكم الأخبار الهائل الذي تبثه الوكالات الضخمة، وتتلقفه الوسائل على اختلاف أشكالها (صحف، فضائيات، مواقع إليكترونية، إذاعات.. إلخ) تكون موجهة بدقة وتحتاج وعيا وحذرا في التلقي؟
وحتى يكون كلامنا تطبيقا وبعيدا عن التنظير المجرد، تعالوا نتناول خبرا بثته إحدى أكبر وكالات الأنباء العالمية عن الرفض الشعبي لحمى التعري في الإعلام، وساق الخبر أمثلة وآراء ترفض هذه الصورة المشينة التي تظهر النساء والفتيات، واستغلالهن في وسائل الإعلام.
كما ركز الخبر على الرفض الشديد لظاهرة الاحتجاج بالتعري، التي بدأت تنشر في بعض البلدان الأوروبية والغربية، سواء قامت بها فتيات أوروبيات، أو فتيات من ذوي أصول عربية يزعمن التعبير عن الرفض للمنهج السياسي الذي تدار به بعض بلدان الربيع العربي.
إلى هنا والخبر يسير سيرا حسنا، ويتفق مع الكثير من آراء وعواطف وتوجهات القارئ العربي المسلم ذي القيم والأخلاق السامية التي تحترم الإنسان وترفض إهانته وامتهانه بأي صورة من الصور.
ثم يمضي الخبر فيسوق الاستهجان لترحيب دور النشر بعمل روائي يعتبر انتشار الكتابات الجنسية في العالم العربي من مبشرات الحرية والانطلاق في الحياة، والتحلل من عقد الخوف، ومواجهة الواقع بجرأة إلى آخر هذه الجمل الإنشائية التي يتم ترديدها في هذه المناسبات.
ويطرح الخبر ـ في إطار الاستجهان أيضا ـ اسم الرواية، واسم المؤلفة، واسم دار النشر، وينتهي بأن هذه الراوية من المتوقع أن تشهد جدلا ساخنا في الأيام المقبلة!
وهكذا يتضح أن الإعلام بوسائله الضخمة ـ كهذه الوكالة الإخبارية الشهيرة ـ يقدم لنا صورة جديدة من لعبة القط والفأر، فهو يسوق الخبر في قالب يتفق مع قيمنا ومع عواطفنا، لكنه يوجهنا بطريق غير مباشرة، للوقوع في براثن كل ما استهجنه وحذر منه!
إن هذا الخبر دليل ناصع على أن الإعلام لا حياد فيه، وأنه يوجه بالاشتباك مع نفسية المتلقي، ودراسة خلفياته الثقافية وقيمه الاجتماعية بدقة، لذلك يجب علينا أن نتمرس على مهارة القراءة الفاحصة، وعدم الاستسلام للأخبار المجهولة المصادر، أو الأخبار الصادرة عن جهات توجهاتها معروفة سابقا، ومعروف انحيازتها ـ سواء مع أو ضد ـ فالقراءة ليست نزهة مجانية، بل هي مغامرة يومية، مع سيل جارف من المواد والأخبار والأفكار والقيم.
التعري في الإعلام.. لعبة القط والفأر!
- التفاصيل