د. عبدالله عزام
تناولنا في الحلقة الأولى أن المؤشرات الكثيرة توحي أن هذه العقيدة الإسلامية هي المرشحة الآن لإنقاذ البشرية، ولتأخذ على عاتقها تخليص الإنسانية من الشقاء الذي لم تعد تجد منه مهربا،
وتم الحديث عن عدة أسباب ومبررات تجعلنا نؤكد -بإذن الله- أن المستقبل لهذا الدين من أهمها:
1- هذا الدين هو الذي يوافق الإنسان ويتناسق مع الفطرة.
2- انهيار الحضارة الغربية.
3- المبشرات النصية من الكتاب والسنة.
4- المبشرات الواقعية في الأرض وعودة الإنسان إلى الله.
وهذه المبررات هي طليعة الأسباب التي تجعلنا نؤكد بإذن الله أن هذه العقيدة هي الواحة التي سترتاح في ظلالها البشرية.

وتم الحديث عن المبرر الأول، وهو أن الإسلام دين الإنسان (دين الفطرة)، ثم الحديث عن المبرر الثاني، وهو: انهيار الحضارة الغربية، وتوصلنا إلى أن الحضارة الغربية قدمت الماديات، كالطائرة والسيارة والثلاجة والمكيف، ولكنها فشلت أن تقدم شيئا  واحدا  للإنسان وهو (السعادة).
واليوم نستكمل هذا الموضوع:

فشلت الحضارة الغربية أن تقدم الراحة للقلوب والطمأنينة للنفوس والسكينة للإنسان والاستقرار للضمير والأعصاب، والسبب يسير وهو: أن هذه الأمور تتعلق بالروح، والروح لا يشبعها إلا خالقها. إن قضية السعادة تتعلق بالقلوب، ولا يفتح القلوب إلا خالقها علام الغيوب فيدخل ما شاء من السعادة.
(هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين)(الفتح: 4).
فأوروبا فشلت أن تتعامل مع الروح لأنها لا تقاس بالأمتار ولا توزن بالغرام ولا تخضع للباروميتر الزئبقي، ولذا حصل الشقاء لإنسان الحضارة الغربية وزادت حضارته في شقائه وحيرته.
فبعد أن نطق (نيتشه) باسم الغرب وتكلم بلسان حال الحضارة المادية الغربية من خلال فلسفته (هكذا تكلم زرادشت عن موت الإله ونشوء الإنسان السوبرمان).
وصاح (نيتشه): (مات الله وقد قتلناه، وإن الإنسانية تشيعه بمأتم حافل، ما الإيمان بالله إلا ضعف ونتيجة ضعف).[ كتاب (الغرب) لراشد الغنوشي (72)]. الإيمان بالله شك بالإنسان، والإنسان يكفي ذاته بذاته).
بعد الهروب من الله بهذا الشكل الرهيب ازداد الشقاء.. بل الحضارة المادية هي التي أوقعت الإنسان في جحيم الشقاء المرير.
يقول (الكسيس كاريل) في كتابه (الإنسان المجهول): [نقلا  عن كتاب (طريقنا إلى النصر) لراشد الغنوشي (72)]. (إن القلق والهموم التي يعاني منها سكان المدن العصرية تتولد عن نظمهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فإن البيئة التي أوجدها العلم للإنسان لا تلائمه؛ لأنها أنشأت دون اعتبار ذات الإنسان).
ويضيف (برتراند رسل) عن شقاء الإنسان فيقول: ـ في[كتاب (الإسلام يتحدى) لوحيد الدين خان] ـ :(إن حيوانات عالمنا يغمرها السرور والفرح على حين كان الناس أجدر من الحيوان بهذه السعادة، ولكنهم محرومون من نعمتها في العالم الحديث، واليوم أصبح من المستحيل الحصول على هذه النعمة والسعادة).
ويقول (ماكنيل) [محاضرة للأستاذ الفاروقي -جامعة كمبل- فيلادلفيا] :(إن الحضارة الغربية في الطور الأخير من أطوار حياتها الأشبه بالوحش الذي بلغت شراسته النهاية في انتهاكه لكل ما هو معنوي، وبلغ اعتداؤه -على تراث السلف وعلى كل مقدس ومحرم- قمته، ثم أغاص مخالبه في أمعائه فانتزعها وأخذ يمزقها ويلوكها بين فكيه بمنتهى الغيظ والتشفي).
إن الخواء الروحي والفراغ في حياة الغرب، وعدم وجود غاية كبرى يهدف إليها الإنسان، والجحود بالإله الذي تفزع إليه وقت الشدة والحزن، كل هذه أوصلت الغرب إلى المصير المؤلم والنهاية الأسيفة المحزنة، إنه الشقاء والتمزق الداخلي والتوتر العصبي والفزع وشبح هول الحرب المسيطر على الأخيلة، إنه الهروب من الحياة إلى الكحول ثم إلى المخدرات، وأخيرا  لا بد من وضع حد لهذه الحياة البئيسة التعيسة بالانتحار الذي هو إعلان عام أن الشقاء في النفس لم يعد يحتمل كما فعل (جاكوب مارينو، وآرنست همنغواي، ونيتشه، وغيرهم).
لقد عقدت جامعة هارفرد في سنة (1979م) مؤتمرا  لكبار الأساتذة والمفكرين وعلماء النفس والاجتماع وجميع مجالات العلوم الإنسانية وطرح على المؤتمر سؤالان:
1- ما معنى الحياة في أمريكا؟
2- ما فلسفة التعليم وهدفه في أمريكا؟
والذي لفت نظر الأستاذ الذي أعد لهذا المؤتمر هو رسالة دكتوراه تحت عنوان (عدد الحمير في العالم)، قدمت للجامعة فاستغرب كيف تنفق حياة البشر في هذه الأمور التافهة فرتب لهذا المؤتمر.
وتصور معي الضياع الذي يعاني منه بلد -كأمريكا- التي مضى على استقلالها مئتا عام ولم تحدد معنى الحياة بعد، ولم ترسم لتعليمها فلسفة ولا هدفا !!
لقد لخص (شوينهار) حياة الغرب في كلمات فقال: (إن الحياة تتأرجح من اليمين إلى اليسار... من الألم إلى الملل، وليستغث هذا الغرب المسكين إلهه إذا شاء.. إنه سيظل فريسة مصيره فالقدر لا يرحم) [(آرثر شوبنهار) -العالم كإرادة وتصور- نقله الأستاذ الغنوشي في كتابه (الغرب) (62)].
لقد خنقت مداخن المصانع الروح الإنسانية في الغرب. لقد قتلت الآلة صانعها ومهندسوها.. لقد تكدست أكوام الإنتاج والآلات على المجتمع الغربي فسحقته.. لقد تكومت أكداس النقود على القلب الغربي فخنقته.. لقد انطلق إشعاع الذرة فأباد الرحمة والخلق في أعماق الإنسان.
إن الإنتاج البشري الهائل في عالم المادة يحتاج إلى ضوابط خلقية لتحميه من التدمير، لا بد من صمام أمان للطاقة الجبارة التي تحملها اليد الغربية، وهذا الصمام يتمثل في الاتصال بالله والخوف من حساب الآخرة والرحمة بعباد الله والغنى النفسي الذي لا يوفره سوى الإيمان بالله والرضا بقضائه والصبر على بلائه.
مأساة الفكر الغربي:
إن المتتبع لكتابات الكتاب الغربيين وخاصة الكتاب الطليعيين أو رواد مسرح اللامعقول من الوجوديين ليرى العجب العجاب من القلق والضنك من خلال أسطرهم التي تفوح بالآلام وتعتصر بالأسى.
إن اليأس، والقلق، والأسى والألم، الصدمة، الملل، العبث، التمزق، المأساة، الشقاء.. هذه العبارات لا تكاد تخلو منها صفحة واحدة من صفحات هؤلاء الكتاب، اقرأ إن شئت للكاتب الفرنسي (كامي) مسرحيات (الرجل المتمرد، سوء التفاهم، حالة الحصار...) يقول (كامي) [انظر كتاب فوضى العالم في المسرح الغربي المعاصر عماد الدين خليل (031-121)].
(ينبغي ألا نؤمن بشيء في هذا العالم سوى الخمر، إن صيحته هي الموت للعالم، حطموا كل شيء، يجب أن نلغي كل شيء، الإلغاء والإطاحة هو إنجيلي).
ويقول (إرثر ميللر) الأمريكي [ فوضى العالم (22)]. في مسرحيته (بعد السقوط): (إن أكثر الأماكن براءة في بلدي هو مصحة الأمراض العقلية، وكمال البراءة هو الجنون).
يقول (سلاكرو) [فوضى العالم (551)]. -الكاتب الفرنسي): (إن الآلهة لا عمل لها إلا أن تعبث بحطام الإنسان).
واقرأ إن شئت كذلك مسرحيات (جان بول سارتر) الفرنسي (جلسة سرية، موتى بلا قبور، الأيدي القذره، البغي الفاضلة، سجناء الطونا) واقرأ من كتبه: (موتة الروح، سبيل العقل، عصر الحرية، الذباب).
يقول (يونسكو) الفرنسي: (الواقع كابوس مؤلم لا يطاق) وطالع كتابه (قاتل بلا أجر) [فوضى العالم (531)]
والموت هو مشكلة المشاكل في نظر الكتاب الغربيين، فالموت يثير الرعب لأنه واقعة فظيعة في حد ذاتها.. بل لأنه يجعل كل الحياة التي سبقته عبثا، وسخفا  كما يقول صموئيل بكت في كتابه (الأيام السعيدة): فاليأس والعبث والألم والقلق هو عنوان الحياة الغربية.
يرى هيدجر أن الحياة الحقة تكون في اليأس، أما سارتر فيرى أن الحياة الحقة تكون فيما وراء اليأس، بل يقول سارتر: (الإنسان في صميمه قلق).
أما نيتشه -الفيلسوف الألماني- فيرى أن الإنسان بين التسليم والتمرد فوجوده تمزق وسلب وهو العالم اللامعقول ولا يجد الخلاص إلا بالجنون الذي يخلصه من تعاسته الحاضرة، ويرى نيتشه أن اليأس والقلق شرطان دائمان للفطرة، أم للعظمة الإنسانية.
أما كيرك جارد -رائد الفلسفة الوجودية- فيقول: إن الوجود معناه أن نعاني اليأس والقلق حتما، إن من يختار اليأس يختار ذاته في قيمتها الأبدية.
ولذا نجده قد حاول الانتحار مرارا.
إن الوعي يظهر دائما في صورة القلق، وأما اليأس فهو الحد الذي يفضي إليه، لقد بقيت الكآبة القاتلة ملازمة لكيرك جارد حتى الموت.
وهناك عنوان لأحد كتبه (الخوف والرعدة) وعنوان البحث له (اليأس أو المرض حتى الموت) [انظر كتاب دراسات في الفلسفة المعاصرة د. زكريا إبراهيم، القاهرة سنة (1968)، وكتاب المذاهب الوجودية -ريجيس جوليفيه- ترجمة فؤاد كامل].
هذه هي الملامح الرئيسية للعالم اليوم والتي تبرز واضحة مجسدة في معطيات كبار الكتاب والمفكرين والأدباء، فوضى تأخذ بخناق العالم تبعثر كل متبقي فيه من نظام، وتسعى إلى تمزيق بقايا خيوط العنكبوت من القيم الغربية، والإنسان اليوم يرى هذا الإعصار الفوضوي المأساوي يحيق بالإنسانية ويدمر كيانها ويسحق آدميتها، آلية طاغية عارمة حولت الإنسان إلى آلة وسحقت كل تجارب الروح والوجدان، وجماعية صماء قضت على كل مطمح بالتفرد والنبوغ والتفوق والإبداع واختلال رهيب بين كفي المادة والروح، وعزلة غربية مضنية إزاء عالم أصم لا يستجيب لتوسلاته، وسقوط وتهافت في سائر النظم الوضعية السياسية والاجتماعية والعسكرية التي تمسك بزمام العالم اليوم، بالإضافة إلى الخوف العالمي من الدمار والحروب والقنابل الذرية [ بتصرف عن كتاب فوضى العالم في المسرح الغربي المعاصر (901)]. وميكافيلية تضحي في سبيل المصلحة بكل خلق وقيمة.
وكلمة اوسبورن [فوضى العالم -عماد الدين خليل (94)] ولقد حضر مسرحية (انظر وراءك بغضب) ستة ملايين وسبعمائة وثلاثة وثلاثون ألف شخص].
الكاتب الإنجليزي في مسرحيته (المسافر) هي خير تعبير عن حالة الإنسان الغربي: (نحن موتى مكدودون مضيعون، نحن سكيرون مجانين، نحن حمقى، نحن تافهون).
كل هذا نتيجة:
1- الفراغ الهائل بعد نبذ الدين نهائيا عن الحياة.
2- العزلة عن الإسلام والمجتمع والحياة الفردية القاتلة.
3- فقد المثل الأعلى في الحياة والهدف من العيش.

قانون الله في المجتمعات:
إن ناموس الله للحياة البشرية لا يخيب ولا يخطئ، وإن قانون الله للإنسان لا يتخلف ولا يكذب.
(وما أصابتكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم)(الشورى: 30).

نستكمل بقية هذا الموضوع في الحلقة القادمة بإذن الله تعالى.

ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1)وهذه هي الحلقة الثانية من هذه المادة من كتاب الإسلام ومستقبل البشرية(1) بقلم: الدكتور عبد الله عزام، وهو مطبوع ومتوفر على الإنترنت على بعض مواقع تحميل الكتب، لكن النسخة فيها أخطاء. وسيتم التصحيح بالرجوع للنسخة المطبوعة الطبعة الثانية1402هـ =1982م، مكتبة المنار الأردن الزرقاء.
(*)الدكتور عبد الله عزام:

عبد الله يوسف عزام (ولد 1360 هـ - 24 توفي ربيع الآخر 1410هـ) ولد عبد الله عزام في جنين. أنهى دراسته الابتدائية والثانوية في قريته ثم واصل تعليمه ونال الدبلوم بدرجة "امتياز" ثم عمل في سلك التعليم، وواصل طلبه للعلم الشرعي حتى انتسب إلى كلية الشريعة في جامعة دمشق، ونال منها شهادة الليسانس في الشريعة بتقدير "جيد جدا" عام 1386هـ.ثم انتسب إلى الأزهر فحصل على شهادة الماجستير في أصول الفقه عام 1389هـ بتقدير "جيد جداً " وعاد سنة 1390هـ إلى الأردن ليعمل مدرساً في كلية الشريعة بعمان، وبعث من قبل الكلية إلى الأزهر للحصول على شهادة الدكتوراه في أصول الفقه حيث حصل عليها سنة 1393هـ. أعير سنة 1401هـ إلى الجامعة الإسلامية الدولية بإسلام آباد للتدريس.

للتوسع راجع صفحات من سيرته في وجوه وأعلام تحت عنوان: عبد الله عزام الفارس الذي صعد
www.lahaonline.com/index.php?option=content&task=view&highlight=1§ionid=1&id=36908&srchwrds=+%DA%C8%CF+%C7%E1%E1%E5+%DA%D2%C7%E3+++

JoomShaper