إذا جاء الليل وهجعت الأبدان ونامت العيون وخيم السكون .. وجلست وحيداً مع نفسك .. فابحث لك عن قلب فى خضم الحياة... إذا لم تجده فاعلم أن قلبك تائه حيران لا يعرف أين يسير ... ولا أين يذهب ... ربما سائر فى صحراء قاحلة، أو ربما مات وأنت لا تدرى.
- يقول ابن مسعود: ابحث عن قلبك في ثلاث مواضع: عند سماع القرآن، و مجالس الذكر، و في الخلوة، فإن لم يكن فأدعو الله أن يمن عليك بقلب فإنه ليس لك قلب.
- من هنا الباب:
كان بعض أصحاب ذي النون يطوف وينادي: آه أين قلبي، من وجد قلبي ؟ فدخل يوما بعض السكك ، فوجد صبيا يبكي وأمه تضربه ، ثم أخرجته من الدار ، وأغلقت الباب دونه ، فجعل الصبي يلتفت يمينا وشمالا لا يدري أين يذهب ولا أين يقصد ، فرجع إلى باب الدار ، فجعل يبكي ويقول : يا أماه من يفتح لي الباب إذا أغلقت عني بابك ؟ ومن يدنيني إذا طردتيني ؟ ومن الذي يدنيني إذا غضبت علي ؟ فرحمته أمه ، فنظرت من خلل الباب ، فوجدت ولدها تجري الدموع على خديه متمعكاً في التراب ، ففتحت الباب ، وأخذته حتى وضعته في حجرها وجعلت تقبله ، وتقول : يا قرة عيني ، ويا عزيز نفسي ، أنت الذي حملتني على نفسك ، وأنت الذي تعرضت لما حل بك ، لو كنت أطعتني لم تلق مني مكروها ، فتواجد الفتى ، ثم قام فصاح ، وقال : قد وجدت قلبي ، قد وجدت قلبي .
- إذا ضاقت بك الأرض:
وتفكروا في قوله : " وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ " سورة آل عمران : 135 ، فإن فيه إشارة إلى أن المذنبين ليس لهم من يلجئون إليه ، ويعولون عليه في مغفرة ذنوبهم - غيره ، وكذلك قوله في حق الثلاثة الذين خلفوا : " حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ " سورة التوبة : 118 ، فرتب توبته عليهم على ظنهم أن لا ملجأ من الله إلا إليه ، فإن العبد إذا خاف من مخلوق ، هرب منه ، وفر إلى غيره ، وأما من خاف من الله ، فما له من ملجأ يلجأ إليه ، ولا مهرب يهرب إليه إلا هو ، فيهرب منه إليه ، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه: " لا ملجأ ، ولا منجا منك إلا إليك " وكان يقول : " أعوذ برضاك من سخطك ، وبعفوك من عقوبتك ، وبك منك ".
- أجب النداء:
- قال الفضيل بن عياض رحمه الله : ما من ليلة اختلط ظلامها ، وأرخى الليل سربال سترها ، إلا نادى الجليل جل جلاله : من أعظم مني جوداً ، والخلائق لي عاصون ، وأنا لهم مراقب ، أكلؤهم في مضاجعهم ، كأنهم لم يعصوني ، وأتولى حفظهم كأنهم لم يذنبوا فيما بيني وبينهم ، أجود بالفضل على العاصي ، وأتفضل على المسيء ، من ذا الذي دعاني فلم ألبه ؟ أم من ذا الذي سألني فلم أعطه ؟ أم من الذي أناخ ببابي فنحيته ؟ أنا الفضل ، ومني الفضل ، أنا الجواد ، ومني الجود ، وأنا الكريم ، ومني الكرم ، ومن كرمي أن أغفر للعاصين بعد المعاصي ، ومن كرمي أن أعطي العبد ما سألني ، وأعطيه ما لم يسألني ، ومن كرمي أن أعطي التائب كأنه لم يعصني ، فأين عني يهرب الخلائق ؟ وأين عن بابي يتنحى العاصون ؟.
- أعلن الصغار والافتقار:
- إلهي وسيدي: أسأت ولم أحسن، وجئتك تائبا، وأنى لعبد عن مواليه مهرب.. يؤمل غفراناً فإن خاب ظنه .. فما أحد منه على الأرض أخيب.
- قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " كلما ازداد القلب حبّاً لله ازداد له عبودية، وكلما ازداد له عبودية ازداد له حباً وحرية عما سواه، والقلب فقير بالذات إلى الله من وجهين: من جهة العبادة، وهي العلة الغائية، ومن جهة الاستعانة والتوكل، وهي العلة الفاعلية، فالقلب لا يصلح ولا يفلح ولا يلتذ ولا يُسر ولا يطيب ولا يسكن ولا يطمئن إلا بعبادة ربه، وحبه والإنابة إليه، ولو حصل له كل ما يلتذ به من المخلوقات لم يطمئن ولم يسكن؛ إذ فيه فقر ذاتي إلى ربه، ومن حيث هو معبوده ومحبوبه ومطلوبه ".
- وقال ابن القيم: " إنَّ مقام العبودية هو بتكميل مقام الذل والانقياد، وأكمل الخلق عبودية أكملهم ذلاً للّه وانقياداً وطاعة، ذليل لمولاه الحق بكل وجه من وجوه الذل، فهو ذليل لقهره، ذليل لربوبيته فيه وتصرفه، وذليل لإحسانه إليه وإنعامه عليه ".
- إذا أردت أن تجد قلبك، فعليك بباب الذل والافتقار، أقبل والله يدخلك...
- قال سهل: " لما خلق الله الخلق حكم لنفسه بالغنى، ولهم بالفقر، فمن ادعى الغنى حُجِب عن الله، ومن أظهر فقره أوصله فقره إليه "
- وقال الواسطي: " من استغنى بالله لا يفتقر، ومن تعزز بالله لا يذل "، وعلى قدر افتقار العبد إلى الله يكون غناه بالله، وكلما ازداد افتقارًا إليه ازداد غنى به.
يا ربّ إن عظمتْ ذنوبي كثرةً... فلقد علمتُ بأن عفوك أعظم
إن كان لا يرجوك إلا محــسن... فبمـــن يلوذ ويستجير المجرم
أدعوك ربّ كما أمرت تضرّعاً ... فإذا رددت يدي فمن ذا يرحم
مالي إليـــك وســيلةٌ إلا الرجـا ... وجمــيل عـفــوك ثم إني مسلم
- القلب ينبض:
علاج القلب من جميع أمراضه قد تضمَّنه القرآن الكريم... قال تعالى: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ " سورة يونس: 57،" وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلا خَسَارًا " سورة الإسراء: 82.
- أمراض القلوب نوعان:
- نوع لا يتألم به صاحبه في الحال: وهو مرض الجهل، والشبهات والشكوك، وهذا أعظم النوعين ألماً ولكن لفساد القلب لا يُحسُّ به.
- ونوعٌ: مرضٌ مؤلمٌ في الحال: كالهمِّ، والغمِّ، والحزن، والغيظ، وهذا المرض قد يزول بأدويةٍ طبيعيةٍ بإِزالة أسبابه وغير ذلك. " إغاثة اللفهان 1/44".
- وعلاج القلب يكون بأمورٍ أربعةٍ:
- الأمر الأول: بالقرآن لكريم، فإنه شفاءٌ لما في الصدور من الشك، ويزيل ما فيها من الشرك ودنس الكفر، وأمراض الشبهات، والشهوات، وهو هدىً لمن علم بالحقِّ وعمل به، ورحمةٌ لما يحصل به للمؤمنين من الثواب العاجل والآجل: " أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا " سورة الأنعام: 122
- الأمر الثاني : القلب يحتاج إلى ثلاثة أمورٍ:
1- ما يحفظ عليه قوته: وذلك يكون بالإيمان، والعمل الصالح، والمحافظة على أوراد الطاعات.
2- الحمية عن المضار: وذلك باجتناب جميع المعاصي وأنواع المخالفات.
3- الاستفراغ من كلِّ مادةٍ مؤذيةٍ: وذلك بالتوبة والاستغفار.
- الأمر الثالث: علاج مرض القلب من استيلاء النفس عليه، له علاجان: محاسبتها ومخالفتها.. والمحاسبة نوعان:
أ- نوع قبل العمل، وله أربع مقاماتٍ:
1- هل هذا العمل مقدورٌ له؟
2- هل هذا العمل فعله خيرٌ له من تركه؟
3- هل هذا العمل يُقصد به وجه الله؟
4- هل هذا العمل معانٌ عليه وله أعوانٌ يساعدونه وينصرونه، إذا كان العمل يحتاج إلى أعوانٍ؟ - فإذا كان الجواب موجوداً أقدم، وإلا لا يُقدم عليه أبداً.
ب- نوعٌ بعد العمل، وهو ثلاثة أنواعٍ:
1- محاسبة نفسه عل طاعةٍ قصَّرت فيها من حق الله تعالى فلم توقعه على الوجه المطلوب، ومن حقوق الله تعالى: الإخلاص، والنصيحة، والمتابعة، وشهود مشهد الإحسان، وشهود منَّة الله عليه فيه، وشهود التقصير بعد ذلك كله.
2- محاسبة نفسه على كلِّ عملٍ كان تركه خيراً له من فعله.
3- محاسبة نفسه على أمرٍ مباحٍ أو معتادٍ لم يفعله، وهل أراد به الله والدار الآخرة فيكون رابحاً، أو أراد به الدنيا فيكون خاسراً.
- وجماع ذلك أن يُحاسب نفسه أولاً على الفرائض، ثم يُكمِّلها إن كانت ناقصةً، ثم يحاسبها على المناهي، فإن عرف أنه ارتكب شيئاً منها تداركه بالتوبة والاستغفار، ثم على ما عملت به جوارحه، ثم على الغفلة. " إغاثة اللهفان1/136.
- الأمر الرابع: علاج مرض القلب من استيلاء الشيطان عليه:
الشيطان عدو الإنسان والفكاك منه هو بما شرع الله من الاستعاذة، وقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين الاستعاذة من شر النفس وشر الشيطان، قال عليه الصلاة والسلام لأبي بكرٍ: " قل اللهم فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، ربَّ كل شيءٍ ومليكه، أشهد أن لا إله إلا أنت، أعوذ بك من شر نفسي، ومن شرِّ الشيطان وشركه، وأن اقترف على نفسي سوءاً أو أجره إلى مسلم. قله إذا أصبحت وإذا أمسيت وإذا أخذت مضجعك" الترمذي وأبو داود.
- والاستعاذة، والتوكل، والإِخلاص، يمنع سلطان الشيطان. " إغاثة اللهفان 1/145-162".
- أخي الحبيب: هل وجدت قلبك؟؟، نادي على مولاك قائلاً:
أشكو إلى الله كما قد شكى ... أولاد يعقوب إلى يوسف
قد مسني الضر وأنت الذي ... تعلم حالي وترى موقفي
بضاعتي المزجاة محتاجة ... إلى سماح من كريم وفي
فقد أتى المسكين مستمطرا ... جودك فارحم ذله واعطف
فأوف كيلي وتصدق على ... هذا المقل البائس الأضعف
- اللهم أصلح فساد قلوبنا، واغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا، وأصلح لنا من العمر ما تبقى، وأحسن خاتمتنا، وأسعدنا بصحبة سيد المرسلين محمد عليه أفضل الصلاة والتسليم... والحمد لله رب العالمين.
البحث عن قلب ينبض
- التفاصيل